المختصر الكبير في سيرة النبي محمد(ص) - عبد العزيز ابن جماعة الكناني - الصفحة ٦٨ - مبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم)
فرجع بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يرجف فؤاده [١]، فدخل على خديجة بنت خويلد.
فقال: زملونى زملونى. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة، و أخبرها الخبر:
" لقد خشيت على نفسى"، فقالت خديجة: كلا، و اللّه ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل [٢]، و تكسب المعدوم، و تقرى الضيف، و تعين على نوائب الحق [٣].
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى [٤]، ابن عم خديجة، و كان امرأ تنصّر فى الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبرانىّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية [٥] ما شاء اللّه أن يكتب. و كان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخى ما ذا ترى؟ فأخبره خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس [٦] الّذي أنزل على موسى (عليه السلام) يا ليتنى فيها جذع". يا ليتنى أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أو مخرجى هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت إلا عودى. و إن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا [٧] ثم لم ينشب ورقة [ص/ ١٥] أن توفى، و فتر الوحى [٨].
قال الزهرى [٩]: و أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن [١٠]: أن جابر بن عبد اللّه الأنصارى
[١] فى عيون الأثر لابن سيد الناس ١/ ٥٢" ترجف بوادره".
[٢] الكل: الثقل الّذي يتكلف الرجل حمله كالعيال. لسان العرب لابن منظور (كلل).
[٣] انظر تاريخ الطبرى ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩.
[٤] هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، و هو ابن عم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم، انظر كتاب المعارف لابن قتيبة ص ١٥٩.
[٥] فى الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزى ١/ ١٦٢. و عيون الأثر فى فنون المغازى و السير لابن سيد الناس ١/ ٨١:" العربى ... بالعربية".
[٦] أهل الكتاب يسمون جبريل (عليه السلام)" الناموس. انظر الصحاح للجوهرى" نمس".
[٧] مؤزرا: أى قويّا. قاله ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى ١/ ٣٦ طبعة الريان.
[٨] انظر صحيح البخارى كتاب بدء الوحى الحديث رقم (٣).
[٩] الزهرى: هو محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب بن عبد اللّه بن الحارث ابن زهرة بن كلاب. المتوفى سنة ١٢٤ ه انظر كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٤٧٢.
[١٠] هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، انظر فتح البارى بشرح صحيح البخارى ١/ ٣٧.