المختصر الكبير في سيرة النبي محمد(ص) - عبد العزيز ابن جماعة الكناني - الصفحة ٦٥ - خروج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الشام ثم شهوده بنيان الكعبة
فجاء و أخذ بيده و قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، هذا يبعثه اللّه رحمة للعاملين. فقالوا له: من أين علمت هذا؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجر و لا شجر إلا خرّ ساجدا، و لا يسجد إلا لنبىّ، و إنا نجده فى كتبنا. و قال لأبى طالب:
لئن قدمت به الشام لتقتلنّه اليهود. و سأله أن يردّه خوفا من اليهود فردّه [١].
ثم خرج (صلى اللّه عليه و سلم) مرّة ثانية إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة رضى اللّه عنها فى تجارة لها قبل أن يتزوجها، فلما قدم الشام نزل تحت ظل شجرة قريبا من صومعة لنسطور الرّاهب، فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبىّ.
ثم قال لميسرة: أ في عينيه حمرة؟ قال: نعم لا تفارقه. قال: هو نبىّ، و هو آخر الأنبياء. [ص/ ١٢]
ثم باع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سلعته، فوقع بينه و بين رجل تلاح، فقال: احلف باللات و العزّى. فقال: رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما حلفت بهما قطّ، إني لأمرّ فأعرض عنهما. فقال الرجل: القول قولك. ثم قال لميسرة: هذا- و اللّه- نبىّ تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم.
و كان ميسرة إذا كانت الهاجرة و اشتدّ الحرّ يرى ملكين يظلّلان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الشمس، فوعى ذلك كله ميسرة. و كان قد ألقى اللّه عليه المحبة من ميسرة، و كان كأنه عبد له. و باعوا تجارتهم و ربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا و دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة رأته خديجة و هو على بعيره، و ملكان يظلّلانه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، و دخل عليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرها بما ربحوا فى وجههم ذلك، فسرّت به، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت. فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خروجنا من الشام.
و أخبرها بما قال نسطور الراهب، و بما قال الآخر [٢].
[١] انظر فى ذلك دلائل النبوة للبيهقى ٢/ ٢٤- ٢٩، و السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٩٤- ١٩٦، و الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ١/ ٧٦، و تاريخ الطبرى ٢/ ٢٧٨.
[٢] الرواية بتمامها فى الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ١/ ٨٢، ٨٣. و السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٠٣، و دلائل النبوة للبيهقى ٢/ ٦٦، ٦٧. و تاريخ الطبرى ٢/ ٢٨٠، ٢٨١، و نهاية الأرب للنويرى ١٦، ٩٦، ٩٧.