المختصر الكبير في سيرة النبي محمد(ص) - عبد العزيز ابن جماعة الكناني - الصفحة ١٧٠ - ذكر وفاته (صلى اللّه عليه و سلم)
البيوت ليسمعوا وصية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى غصّ المسجد بأهله، و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:
أوسعوا لمن وراءكم، ثم قام فخطبهم خطبة بليغة طويلة، زرفت منها العيون، و وجلت منها القلوب ثم استأذن [١] نساءه فى أن يمرّض فى بيت عائشة، فأذن له فى ذلك، فدخل على عائشة و هى تقول: وا رأساه، فقال:" لو كان ذلك و أنا حىّ فاستغفر لك و أدعو لك، و أكفنك و أدفنك"، فقالت: وا ثكلاه. و اللّه إنك لتحب موتى، و لو كان ذلك لظللت يومك معرّسا ببعض نسائك، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم):" بل أنا وا رأساه، لقد همت أو أردت أن أرسل إلى أبيك و إلى أخيك فأمضى أمرى و أعهد عهدى، فلا يطمع فى الأمر طامع، و لا يقول القائلون أو يتمنى المتمنون".
ثم قال:" كلّا يأبى اللّه، و يدفع المؤمنون إلا أبا بكر" و صلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) وراء أبى بكر فى الصف صلاة تامة، قاله ابن حزم [٢].
و صلى أبو بكر بالناس تلك الأيام، بعهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليه فى ذلك، و خرج (صلى اللّه عليه و سلم) فى بعض تلك الأيام و هو متوكئ على عليّ و العباس، و قد أخذ أبو بكر فى الصلاة بالناس [ص/ ٨٤] فقعد (صلى اللّه عليه و سلم) عن يسار أبى بكر، و أبو بكر فى موضع الإمام، و صار أبو بكر واقفا عن يمينه (صلى اللّه عليه و سلم) فى موضع المأموم يسمع الناس تكبير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فصل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس، يؤمهم قاعدا و هم خلفه قيام، و هى آخر صلاة صلاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس [٣].
و اشتد به وجعه و قال [٤]:" إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم" و ذلك لعظيم أجره (صلى اللّه عليه و سلم)، و لما [٥] حضرته الوفاة كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده المكرّمة فيه و يمسح وجهه و يقول" اللهم أعنّي على سكرات الموت".
[١] انظر النص فى الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢/ ٢٤، و أنساب الأشراف للبلاذرى ١/ ٥٤٤ و الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٢/ ٢٦٩.
[٢] انظر جوامع السيرة لابن حزم ص ٣١٤، ٣١٥.
[٣] جوامع السيرة لابن حزم ص ٣١٥.
[٤] قال ابن سعد فى الطبقات الكبرى ٢/ ٢/ ١٢: دخل عبد اللّه بن مسعود على النبي فوضع يده عليه ثم قال: يا رسول اللّه، إنك لتوعك وعكا شديدا، قال: أجل إنى لأوعك كما يوعك رجلان منكم. قال: قلت: يا رسول اللّه. ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل، أما إنه ليس من عبد مسلم يصيبه أذى فما سواه إلا حط به من خطاياه، كما تحط هذه الشجرة ورقها. انظر الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٢/ ٧٧١، و الجامع الصغير للسيوطى ١/ ١٠٤.
[٥] انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢/ ٤٧، و الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٢/ ٧٧٢ برواية السيدة عائشة رضى اللّه عنها.