القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٤ - التبادر
فى التّبادر و علامات الوضع
القوم ان المراد تبادر العالم بالوضع بمعنى ان الجاهل به يراجع العالم به و يلاحظ فهمه بالنسبة الى ذلك اللفظ بان يلقى اليه مجردا عن القرينة من غير سؤال عن معناه فما فهمه منه هو المعنى الحقيقى و قد يستفاد هذا المضمون من الفاضل المحقق (قدس سره) فى القوانين و قد اجاب عنه بعض الفحول بجواب الاخر و هو انه انا لا نم توقف الفهم على العلم بالوضع فان الاشتهار يقتضى تبادر المعنى و فهمه من اللفظ المجرد قطعا لحصول الموانسة الموجبة للتفاهم و التفاهم للاشتهار لا يوجب العلم بالاشتهار فضلا عن العلم بالوضع و تحقيقه ان وضع اللفظ اما ان يكون بتعيينه بازاء المعنى او لتحقق الغلبة و الاشتهار فيه و على الثانى فالسّبب فى الفهم هو نفس الغلبة و الاشتهار و كذا على الاول ان كان فهم المعنى بعد حصول الامرين و اما اذا كان قبلهما كما فى اوايل الاستعمال ففهم المعنى ح موقوف على العلم بالوضع اذ لا سبب للفهم سوى ذلك فعلم ان فهم المعنى لا يتوقف على العلم بالوضع مط بل انما يتوقف عليه فى صورة نادرة هو كون الوضع تعيينا و الاستعمال قبل حصول الغلبة و الاشتهار نعم حصول الفهم مط موقوف على نفس الوضع اما اذا كان الفهم موقوفا على العلم بالوضع كما فى هذه الصورة فظ و اما اذا كان بالغلبة و الاشتهار فلان الوضع اما يحصل بهما او بالتعيين السابق عليهما و على الاول فسبب الفهم هو الوضع الحاصل بالاشتهار و على الثانى فالسّبب القريب و ان كان هو الاشتهار و لكن لما كان الاشتهار فرع التعيين كان التعيين سببا بعيدا فى الفهم فيتوقف عليه الفهم فالوضع فى جميع الصور من شرايط الدلالة و بهذا الاعتبار كان الدلالة منسوبة اليه لا باعتبار العلم به انتهى ولى فى هذا الجواب تامل لان الاشتهار ان كان بحيث صار سببا للانتقال من دون التفات فالعلم بهذا الاشتهار عين العلم بالوضع التعيينى اذ ليس معنى الوضع التعيينى الا هذا فالتمسّك بالتبادر فى اثبات هذا الوضع موقوف على العلم بالاشتهار بهذه المرتبة و هو موقوف على التبادر فيلزم المحذور و ما ذكره ره من ان التفاهم للاشتهار لا يوجب العلم بالاشتهار مم اذ لا شك فى ان نفس الاشتهار من دون العلم به لا يوجب ذلك كيف و لو كان نفس تحقق الاشتهار سببا للتفاهم للزم ان يفهم الجاهل بهذا الاشتهار و غير المطلع عليه المعانى من الالفاظ المشهورة المتداولة فيلزم ان يفهم العجمى الالفاظ العربيّة المتداولة تبينهم و فساده لا يحتاج الى البيان و بالجملة لا شك فى عدم كون نفس الاشتهار سببا بل لا بد من العلم به كيف و فهم اللفظ على اعترافه ره موقوف على الموانسة و هى لا يتحقق الا بالعلم بالاشتهار و تحقق الاشتهار عنده نعم لا يشترط كونه ملتفتا الى علمه بذلك و فرق بيّن بين عدم العلم بالشىء و بين عدم العلم بالعلم بالشىء و المقصود من التمسّك بالتبادر هو اثبات الاول لا الثانى اذ الثانى لا يحتاج الى ازيد من ارادة ذلك ا لا ترى ان العالم بالوضع اما بتنصيص الواضع او لكونه هو الواضع الغير الملتفت الى علمه بذلك لا يحتاج فى اثبات التفاته الى ذلك الى التبادر و ذلك امر واضح جلى و ان لم يكن الاشتهار بهذه المرتبة بل يحتاج فهم المعنى من اللفظ الى الالتفات اليه فلا يكون الفهم مستندا الى اللفظ مجردا عن القرينة اذ المراد بالقرينة اعمّ من الشهرة و هو خلاف المفروض اذ الكلام فى استفادة المعنى من اللفظ من دون توسط القرينة و قد عرفت ان الفهم بملاحظ الشهرة غير الاستناد الى القرينة و ان لم يحتج الى ملاحظة الشهرة فيكون من القسم الاول و يجئ الكلام السابق نعم يمكن ان يق بعد فهم المعنى من اللفظ بملاحظة الشهرة و حصول الموانسة هذا المعنى المستفاد من اللفظ المعين بواسطة هذه الغلبة و الموانسة اما يكون معنى حقيقيّا او مجازيّا فان كان الاول ثبت المطلوب و ان كان الثانى يلزم خلاف الغالب فان الغالب انما هو كثرة استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى و اشتهاره فيه و الحاصل انه يمكن ان يجاب عن الايراد المذكور بانه يمكن للجاهل بالوضع اثبات الوضع بالتبادر عنده بواسطة الاشتهار و الموانسة بقاعدة ان الظن يلحق الشىء بالاعم الاغلب و لكن هذا غير جعل التبادر علامة للحقيقة كما لا يخفى فت و من هنا ظهر الجواب عن الايراد بان ما ذكرته فى دفع الدور من ان العلامة هو ان التبادر العالم للجاهل منقرض بانا نرى الفقهاء يتمسّكون بالتبادر عندهم فى اثبات الوضع فالدور باق بحاله مع
انه يمكن ان يجاب عن هذا بان للفقيه حالتين اجمالية و تفصيلية فهو من حيث الحالة الاولى جاهل و من حيث الحالة الثانية عالم لان المفروض انه من اهل اللسان و لكن اشتبهه الامر عليه بواسطة الشكوك و الشبهات فهو اذا اراد ان يعلم بالوضع و يخرج عن هذه الاجمالية تخلى نفسه عن الشبهات و يثبت الوضع بالتبادر عنده بعد التخلية التّامة و لكن هذا امر غامض فلذا تريهم يدعون التبادر فى مسئلة على طرفى النقيض و امثلته غير خفية على المطلع بالفن فتدبّر و الثانى النقض بالمشترك فانه حقيقة فى جميع معانيه مع انها غير متبادرة و اجيب عنه اولا بان المتبادر جعل علامة للحقيقة و العلامة يلزم فيه الاطراد دون الانعكاس و فى هذا الجواب تامل لانك قد عرفت ان التبادر من لوازم العلم بالوضع فلا يمكن تحقق الملزوم بدون اللازم و سيجئ زيادة توضيح لذلك انش عن قريب و ثانيا ان المتبادر فى معان المشترك ايض موجود فانه لا شك فى خطور جميع معانيه بالبال عند سماعه و الاجمال انما هو فى المراد و قد عرفت ان التبادر هو سبق المعنى من اللفظ مع التجرد لا سبق المعنى المراد و من هنا ظهرانه لا احتياج الى جعل علامة الحقيقة هو عدم تبادر الغير دفعا لهذا النقض قايلا بانه يصدق على كل معنى من المعانى المشترك انه لا يتبادر غيره مع انه موجب لانفتاح باب النقض من جهة اخرى و هو انه لا شك فى انه يصدق على المجاز المساوى احتماله لاحتمال الحقيقة انه لا يتبادر غيره هكذا قيل و فيه تامّل فان المساواة فى الارادة بعد ملاحظة غلبة الاستعمال او استعمال اللفظ فى المعنى المجازى دون استعماله فى المعنى الحقيقى لا يوجب المساوات فى سبقها الى الذّهن بل لا شك فى سبق معنى الحقيقى الى الذّهن ح ايض قبل ملاحظة ما ذكر بل لا شك فى سبقه مع وجود القرينة الصارفة عنه ايض و لذا نقول بحصول التناقض بين القرينة و ظاهر اللفظ كيف و لو لم يكن المعنى الحقيقى متبادرا و المعنى المجازى محتاجا الى الالتفات الى غلبة