القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٠٤ - قاعدة مادة النهى و صيغته
بامكان الاستدناء فى حق اللّه تع شانه عن ذلك و كذا رسوله و اوصيائه فلا ريب فى ان الاصل عدمه لأنه خروج عن الشان فالصّيغ الصادرة من اللّه تع و من رسوله و خلفائه او غيرهم من العوالى تحمل على النهى للاصل المذكور فاذا ثبت كونها نهيا فيتم الاستدلال بالدليلين السّابقين و الثانى قد اثبتنا كون لا تفعل نهيا حقيقة فاذا صدر من العالى و لم نعلم كونه مستدينا او غيره و لم يثبت كون عدم الاستدناء شأنا له و لكن لم يثبت كون الاستدناء شأنا ايض يجب الحكم بكونه ايض نهيا بمقتضى اصالة الحقيقة لان اللفظ صدر و لم نعلم كونه مستعملا فى معناه الحقيقى او المجازى فالاصل كونه مستعملا فى معناه الحقيقى و هذا الاصل و ان كان جاريا بالنسبة الى قول الدانى و العالى مع اشتراط الاستعلاء الظاهرى مثل رفع الصوت و غلظتها لكنه معارض بعدم خروجه عن الشان فى الاول فان الاستعلاء خلاف شان الدانى كما هو ظاهر و جلى مع ان الاصل عدمه و ان لم نقل بكونه مخالفا للشان و بعدم الخروج عن الحالة الطبيعيّة فى الثانى فانه لا شك و لا ريب فى ان الاستعلاء من العالى خلاف حالة الطبيعيّة و خلاف ما يكون الغالب عليه مع ان الاصل عدم الاستعلاء بلا تامّل و خفاء و لكن يشكل اجراء هذا الاصل و الحكم بكونها نهيا اذا صدرت عن قائل لم نعلم انه عال او دان فلا يجوز ح التمسّك باصالة الحقيقة فى اثبات المتكلم لانه لو كان عاليا لكانت نهيا و كانت مستعملة فى معناها الحقيقى و الا فلا لان ما ثبت من هذا الاصل هو صورة كون المتكلم معيّنا و كان المعنى الحقيقى و المجازى متميزان و لكن لا نعلم مراد المتكلم انه اراد المعنى الحقيقى او المجازى فنقول الاصل فى الاستعمال الحقيقة بمعنى ان الغالب انه يراد المعنى الحقيقة و يستعمل اللفظ فيه و هذه الغلبة فى هذا المقام غير معلوم بل معلوم العدم لان صدور لا تفعل عن الملتمس و الداعى اكثر من ان يحصى و استعماله فى المعنى المجازى هو الغالب و ليس استعمال صيغة لا تفعل فى الالتماس و الدعاء مخالفا لشانهم لانهما من شأنهما و اللفظ الدال عليهما فى الغالب هو الصّيغة فالتمسّك باصالة الحقيقة هنا غير معقول و نظير هذا نقول فى ردّ من تمسّك باصالة الحقيقة فى تقديم عرف المروى عنه على الراوى مع انه لعل المعص (ع) تكلم على اصطلاح الراوى فيكون حقيقة ايض فاصالة الحقيقة بالنسبة اليهما متساويان فان قلت انك قد قلت سابقا ان من جملة الادلة الدالة على كون الصّيغة حقيقة فى النهى التبادر فانه يتبادر من لفظ لا تفعل مع قطع النظر عن القائل انه نهى و ليس معنى هذا الا ان المتكلم بها شخص عال و الا لم يكن نهيا فيكون هذا تعينا للمتكلم فيمكن التمسّك باصالة الحقيقة فى تعيين المتكلم قلت ما قلت سابقا ان المتبادر من صيغة لا تفعل انها نهى معناه كونها موضوعة لهذا لا تشخيص المتكلم و بينهما فرق واضح لا يتامل فيه ذو مسكة و ذو فهم سليم و سليقة مستقيمة ا لا ترى انه لو رايت طومارا مكتوبا فيه صيغة لا تفعل يتبادر منها كونها نهيا بحسب الوضع و لكن لا يمكن لك الحكم بكون المتكلم بها عاليا و لو قلت ذلك لعددت من السفهاء عند اهل العرف بلا تامل و خفاء فان قلت لعل هذا لاجل عدم كون الصّيغة حقيقة فى النهى ا لا ترى انه لو جاء اليك طومار مكتوب فيه بالفارسى فرموديم فلان امر را درست كن يفهم منه كونه شخصا عاليا و اهل العرف و العادة يحكمون بذلك مع جهلهم به فيمكن تعيين المتكلم باصالة الحقيقة قلت هذا كلام لا وجه له لان فرموديم لفظ موضوع لصدوره عن العالى و استعماله فى غيره مجازا ايض غلط و ان تكلم بها الدانى يعد من السّفهاء و ان نصب قرينة على ارادة المجازية فلم يجز بمجرد رؤيته او سماعه الا صدورها عن العالى و الجواب عن هذا ان بناء على المذهب المختار من كفاية العلو و عدم اشتراط الاستعلاء فالامر ظاهر فى اوامر اللّه تع و نواهيه و كذا اوامر الرّسول و نواهيه و كذا الخلفاء و غيرهم من العوالى لأن الاصل عدم الخروج عن الشأن يكفى فى اثبات كونه نهيا و لا يحتاج الى اصالة الحقيقة مع انه كان فى محلها و ليس من قبيل جهل المتكلم و تعيينه باصالة الحقيقة كما لا يخفى لان جهل حال المتكلم غير جهل نفس المتكلم و نثبت حال المتكلم هذه باصالة الحقيقة لا
نفسه فت و اما على مذهب من اشترط الاستعلاء فيلزمه القول بكون جميع الضيع الواردة من الشارع مجملة لان اجراء الاصل مشكل و على فرض عدم الاشكال معارض بالخروج عن الذى و هذا اول دليل على بطلان هذا القول مع انا قد اثبتنا ان المتبادر من صيغة لا تفعل هو الحرمة مع قطع النظر عن القائل فاذا كان هذا ثابتا يجب الحمل عليهما سواء كان نهيا او التماسا او دعاء و لا ثمرة مهمّة فى اثبات كونه غير مستدن لان استدعاء العالى و التماسه اشدّ دلالة على التحريم لانه غير راض بفعله و ترك الفعل مطلوب له فاذا كان واجب الاطاعة فيجب العمل على مقتضاه و لذايذ العبد اهل العرف و العادة لو ارتكب الفعل و لو عاقبه السّيد لم يكن موردا للملامة بل العفو عن هذا العبد فى هذه الصورة لم يكن حسنا فى نظر اهل العرف و العادة كما لا يخفى و كذا الداعى و الملتمس لم يكونا راضيين بالترك و لذا لو صارا عاليين و كان لهما تسلط على الملتمس و المدعو الذين خالفا مطلوبهما لعاقباهما قائلين بانى دعوتك او التمسك ان لا تفعل و لم تجبنى فالفرق بين الدعاء و الالتماس و الاستحباب ظاهر لان فى الاولين الطالب لم يجوز ارتكاب خلاف المطلوب و لكن لما لم يكونا واجبى الاطاعة لم يلزم على المطلوب منه الاجابة و فى الاستحباب يكون تجويز الخلاف من جانب الطالب و الا لم يكن مستحبّا و من هنا ظهر انه لا يمكن التمسّك فى اثبات كون صيغة لا تفعل حقيقة فى الكراهة بقول اللغويّين بانه لا فارق بين النهى و الامر و الالتماس و الدعاء الا الرتبة فاذا لم يكونا للوجوب لم يكن النهى و الامر