القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٢٧ - فى اقتضاء النهى عن الشىء للفساد
كما مر و اذا تعلق النهى بنفس العبادة اما لذاته او لوصفه الداخل و الخارج او لجزئه او لشرطه او لجزء الجزء او لشرط الجزء او لشرط الشّرط و هكذا باقى الفروض فمقتضى العقل فيه الجواز ان لم تسر المفسدة الكائنة فى الشىء الذى تعلق لاجله النهى بالعبادة الى نفس العبادة بحيث يجعلها مبغوضة فى هذا الفرد فانه لا شك فى حصول المقصود ح و نرى نظير ذلك واقعا فى العرف و العادة و صادرا من انفسنا بلا شك و شبهة فيكون الاجتماع جايز الا ترى ان السّيد يامر عبده باتيان الماء ثم قال لا تات به من هذا الطريق لانه تصرّف فى مال الغير لا لاجل ان الماء الماتى به من هذا الطريق لا يكون مطلوبا و لو كان لاجل انه تصرف فى مال الغير فاتى بالماء من الطريق المنهى عنه عن اتيانه فيه فلا شك فى حصول المقصود و المطلوب و ان كان معاقبا من جهة التصرّف فى مال الغير و لذا لو قال له اشتر اللحم ثم قال لا تشتر اللحم من الجزار الفلانى لانه عدو لى و لم يفهم السرّية فاشترى اللحم من الذى نهى عن اشترائه عنه فلا شك ايض فى حصول المقصود و امثال ذلك كثير و اصرح من هذا ان يقول لا تشتر اللحم من الجزار الفلانى و لو اشتريته منه حصل المطلوب و لكن اعاقبك فانه لا شك فى وقوع مثل هذا كثير او لا يابى العقل منه ايض و اذا ثبت جوازه فى المطلقين و فى المتباينين بالتباين الجزئى و لا يقبل التشكيك فى جوازه و قد عرفت تحقيق هذا مستقضى و عرفت ايض انه لا تفرقة بين العبادة و غيرها الا انه يشترط فيها نية القربة و اذا امكن الاتيان بالمطلوب للمامور فيمكن له قصد انى اصلّى لأن السّيد امرنى نعم بينهما فرق اخر و هو ان المطلوب اذا حصل فى غير العبادة و لو من غير المامور يكون مسقطا للامر لان المطلوب هو حصول هذا الشىء باىّ نحو اتفق و من اى شخص صدور الامر بالشخص المامور يكون من باب المقدّمة و اما فى العبادة فلا يسقط الامر بها باتيان الغير لان المقصود فيها الامتثال و هو لا يحصل لان الامتثال عبارة عن الاتيان بالشىء لاجل امر الامر به و لا ريب انّ الامر لم يتعلق به و بالجملة فرق بين الامتثال و الاتيان بالمطلوب و الاول لا يحصل الا من المامور مع قصد القربة و الثانى يحصل منه باىّ نية كان فلو امر السيّد عبده باتيان السّيف فاتى به لقتله كان اتيا بالمطلوب و يحصل من غيره ايض هنا اذا كان النهى تعبّديا و لم يسر الى نفس المامور به و اما اذا كان النهى وضعيا بمعنى كون العبادة موضوعة للنهى بمعنى ان النهى تعلق اليها لعدم كونها مطلوبة بل كونها بتفسها مبغوضة و ان كان المبغوضية لاجل شىء خارج عن الذات فلا شك فى عدم جواز اجتماع الامر و النهى و عدم صحة العبادة و عدم الاتيان بالمطلوب فى غيره لان المفروض كونه مبغوضا بذاته و لو كان لاجل الغير و بالجملة ذلك ظاهر و لا اشكال فى صورة كون احدهما معلوما و انما الاشكال فى صورة الشك و مقتضى الاصل بحسب العقل هو الجواز لانّ اطلاق الامر شامل لهذا الفرد ايض و انما الشك فى التقييد و الاصل عدمه هذا اذا كان العبادة منهيا عنها لا لاجل الذات بل لاجل الوصف او غيره من المذكورات و اما اذا كانت منهيا عنها لاجل الذات كصلوة الحايض كما مثل بها لذلك فح لا يتصور فيه الامر ان السّريان و عدمه حتى تقول بعدم الجواز على الاول و بالجواز على الثانى لان ذاتها منهى عنها فلا يمكن فيه الاجتماع عقلا لان علة عدم الجواز فى السّريان هو عدم جواز ان يكون شىء واحد مطلوبا و مبغوضا و ان كان من الجهتين و هذه العلة جارية فى المنهىّ عنه لذاته بطريق اولى لانه لا يتصور فيه عدم المبغوضية كما لا يخفى لان المفروض انها منهىّ عنها لذاتها و قد يتبيّن وجه اخر لعدم الجواز و هو ان الاجتماع اذا كان من الامر لا يجوز قطعا و لا يمكن لاحد المصير اليه لانه يستلزم التكليف بما لا يطاق و هو بط عندنا بالوفاق و ان قال به بعض اهل النفاق و لا ريب ان الحايض ما دامت فى الحيض منهية عن الصّلوة فلو اتت بها فى هذه الحالة لم تكن صحيحة لانها لم تكن مامورا بها قطعا لما ذكرنا و قد مرّ نظير ذلك انفا فى صورة انحصار المقدمة فى الحرام
فانه قلنا انه لو اتى بها بسوء اختياره فى ضمن المقدّمة المحرمة لم تكن صحيحة لعدم الامر بها فالتمثيل فى هذا المقام بهذا المثال لم يكن فى مقامه لان كلامنا فى مقام يمكن تعلق الامر به و انما النزاع فى ارتفاع النهى الامر ام لا و بالجملة النهى اذا تعلق بالعبادة لا لغيرها لذاتها بل لغير الذات مما تقدّم فالاصل الجواز بحسب العقل فيحكم بالصحة اذا اتى بها فى ضمن المنهى عنه حتى ثبت السّريان و لكن فهم العرف على خلاف هذا الاصل و يفهمون التقييد فانه يتبادر من قوله صل و لا تصل فى الدار المغصوبة تقييد مطلوبيّة الصّلوة بالصّلوة فى غير الدار المغصوبة و يفهمون ان الصّلوة فى ضمنها ليس بمطلوب و كذا فى اوامر اهل العرف يفهم التقييد و لذا لو امر السيّد عبده باتيان اللحم ثم قال لا تشتره من هذا الجزار فاشتراه من الجزار المزبور فعاقبه السيّد معللا بانك لم تات بمطلوبى لم يكن موردا للملامة و المذمّة عند اهل العرف و العادة و لذا يامره باعادة الاشتراء و فسخ هذه المعاملة كما لا يخفى فالاصل هو الحكم بعدم الجواز و الحكم بعدم الصحّة و عدم الاتيان بالمطلوب الا اذا ثبت من الخارج تعبّدية النهى و هذا الفهم العرفى و قد اتفقوا عليه فى مسئلة اجتماع الامر و النهى كما هو ظاهر و لكن اختلفوا فى مسئلة دلالة النهى على الفساد فقال بعضهم بعدم الدلالة و ترقى بعضهم و قال بالدلالة على الصّحة فيظهر منه جواز الاجتماع فكيف التوفيق بين اتفاقهم فى الاول بعدم الصّحة عرفا و فهم التقييد و اختلافهم هنا عرفا فقال بعضهم بعدم الدلالة عرفا و بعضهم بالدلالة على الصحّة كما ذهب اليه ابو حنيفة و ابو الحسن الشيبانى كما هو المنقول و اما عقلا فمن يجوز اجتماع الامر و النهى عقلا لا يفرق بين المتباينين بالتباين الجزئى و المطلقين و كذا المانع لا يفرق بين المقامين و قد ذكر وجه للجمع و هو ان ما اتفقوا عليه فى المسئلة الاولى من عدم الاتفاق هو ما اذا كان النهى متعلّقا بنفس العبادة مبغوضة و لو كان لاجل شىء خارج و ما ذكروه فى المسئلة الاخيرة من عدم الدلالة على الفساد او الدلالة على الصحّة بناء على ظاهر لفظ النهى فانه يفهم فيه التعبّدية دون الوضعية بمعنى ان الظاهر من