القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٠٠ - قاعدة مادة النهى و صيغته
على انه يمكن ان يكون التبادر الاطلاقى نافيا للغير انه لو قال السّيد اشتر منا من الحنطة فاشترى العبد ما يصدق عليه انه حنطة و لكن يكون رديا و خلاف المتعارف لاستحق العقاب من السيّد و لو عاقبه لم يكن موردا للملامة مع انه لم ينصب قرينة سوى الشيوع على عدم ارادة غيره فلو لم يكن التبادر الاطلاقى نافيا لما صحّ هذا و كذا لو قال اشتر اللحم فاشترى لحم الكلب او الحمار فانه لا شك فى الذم و استحقاقه العقاب و الثانى انه لا شك و لا ريب انه لا يجوز خلو الجنس عن الفصل فارادة القدر المشترك من دون ارادة كونه فى ضمن الحرمة او الكراهة غير معقول لذلك و لا يمكن ان يق انه مخير بين اتيانه من قبيل التخيير بين افراد الانسان لان تعيين الاحكام بيد المكلّف لا المكلف لانه لا معنى للتخيير بين الحرمة و الكراهة الا انه ليس بحرام فح الامر داير بين الحمل على الفرد الشايع او النادر لان الخصوصيّة مطلوبة قطعا و الحمل على الشايع متعين كما هو بناء العرف و العادة و هذا يكون من قبيل الشيوع فى احد معانى المشترك و من ذلك ظهر اعتبار الشيوع فيها ايض و الفرق بين هذا الجواب و الجواب الاول انّ البناء فى الجواب الاول على ان الامر داير بين استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى الكلى و بين استعماله فى الفرد الشايع و ان التبادر الاطلاقى يكون قرينة صارفة عن حمل اللفظ على معناه الحقيقى و فى الثانى ليس الامر داير بين الحمل على الفرد الشايع و النادر و ان المعنى الحقيقى لا يمكن كونه مرادا لما مر لا لاجل ان التبادر مبين العدم بل الامر داير بين الحمل على الفرد الشايع و النادر و ان الشيوع قرينة معيّنة و ما نحن فيه من قبيل الثانى و هذا مما لا يمكن انكاره بخلاف القسم الاول فانه يمكن المناقشة فيه و ان كان جوابه واضحا لان هذا القسم حقيقة ليس داخلا تحت القاعدة المذكورة اى انصراف العموم الى الفرد الشايع فتدبر فظهر من جميع ما ذكرنا ان حمل النهى على الحرمة متعين سواء قلنا بانه موضوع لها بخصوصها او يكون فردا شايعا للموضوع له او يكون مشتركا لفظيا لما مر انفا من انه لو كان احد معانى الاشتراك شايعا يجب الحمل عليه و يدل على عدم كونه مشتركا لفظيا الاصل اذ الامر ح داير بين المشترك المعنوىّ و اللفظى و لا ريب ان الاول اولى ان كان عدم صحة السّلب عن المكروه مسلما و الا فالامر بين الاشتراك اللفظى و الحقيقة و المجاز و لا ريب ان الثانى اولى و يدلّ على كون النهى حقيقة فى الحرمة قوله سبحانه وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا حيث اوجب الانتهاء عما نهى الرّسول عنه لانا قد اثبتنا كون صيغة افعل حقيقة فى الوجوب و ان لم يكن ذلك فلا يتم الاستدلال و لو لم يكن النهى للحرمة لما اوجب الانتهاء عنه اذ من الضروريات انه لا يجب الانتهاء عن المكروه و الا لم يكن مكروها فان قلت الدّليل اخص من المدعى اذ المقصود اثبات كون النهى حقيقة فى العموم بحسب اللغة سواء كان القائل هو اللّه تع او الرّسول (ص) او الائمة (ع) او غيرهم من اهل العرف و العادة و الاية الشريفة لا تثبت الا كون مناهى النبى (ص) واجب الاحتراز عن فعلها و اما غيرها فلا و لا يمكن التمسّك بالاولوية فى نواهى غير النبىّ (ص) لانا نقول اولا ان الاولوية غير مسلّمة مط و ثانيا انه لو تنزلنا و قلنا بالاولويّة لقلنا بجريانها فى نواهى اللّه تع و اما غيرها فالاولوية معلومة العدم ان لم نقل لوجودها فى نواهيه (ص) قلت اذا ثبت كون نواهى النبى (ص) حقيقة فى الحرمة فنتم غيرها بالاجماع المركب على انه يلزم النقل المخالف للاصل لان دلالة نهى النّبى اما بحسب الوضع الاولى و اما بحسب الوضع الثانوى فان كان بحسب الوضع الاولى فثبت المطلوب و ما قلت انه اخصّ من المدعى لا وجه له و لا يحتاج فى اتمام ذلك الى الاجماع المركب و ان كان بحسب الوضع الثانوى يلزم النقل المخالف للاصل و لا معنى لارتكاب خلاف الاصل لا لاجل الدليل و لا دليل فى البين فان قلت انه لو كان دلالة نواهى النبى (ص) على الحرمة بحسب الوضع للزم ان تكون الاية الشريفة تاكيدا لا تاسيسا لانه لو كان فى اصل اللغة موضوعا لكان نفس النهى دالا على وجوب الانتهاء فتكون الاية تاكيدا لا تاسيسا و ان لم يكن النهى فى اللغة
لذلك لكان تاسيسا و هو اولى من التاكيد فعلى هذا يكون الاية الشّريفة دليلا على كون النهى حقيقة فى غير الحرمة مع ان تعليق وجوب الانتهاء على نواهى الرسول يشعر بالاختصاص و ان لم نقل بحجيّة مفهوم اللقب فانه لا شك فى اشعاره فى بعض الموارد بل فى دلالته ايض قلت كون النهى حقيقة فى الحرمة لا يلزم منه كون الاية الشريفة تاكيد لان معنى الحرمة هو عدم رضا الناهى بالفعل على سبيل الجزم و لكن لا يلزم منه وجوب الانتهاء عن الفعل اذ هو موقوف على كون الناهى واجبة الاطاعة فح تكون الاية الشريفة مثبتة لكون النبى (ص) واجبة الاطاعة و هذا تاسيس و ليس بتاكيد و من هنا ظهر جواب ما ذكرت بقوله مع فان قلت لا منافاة بين كون النهى حقيقة فى الكراهة و دلالة الاية الشريفة على وجوب الانتهاء عما نهى الرّسول (ص) عنه من باب التعبّد بيان ذلك ان الاية تدلّ على وجوب الانتهاء عما جعله النبى (ص) مكروها كانه يقول سبحانه كلما كان مكروها عند النبى (ص) كان حراما عندى تعظيما لشان النبى (ص) او كان حراما عنده و لكن لم يقل بكونه حراما لاجل مصلحة كما انه (ص) يستحيى عن حرمة شىء كما وقع نظير ذلك و يدل عليه قوله سبحانه وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ فيكون دلالة النهى على الحرمة تعبديّا لا وضعيّا فلا يثبت المطلوب قلت ثبت من الضرورة و البداهة ان كل حكم صدر من الرسول (ص) فهو حكم اللّه تع فح ما جعله النبى (ص) مكروها فهو ما جعله اللّه مكروها فح لا معنى لما ذكرت اذ ح لو قال ذلك لكان معناه ما كان مكروها عندى كان حراما