القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٢٣ - تحرير محل النزاع و بيان الاقوال فيها
المكروهة انما هو من قبيل الثانى و كذا المستحبّات و المباحاة من قبيل الصّلوة الفريضة فى المسجد و البيت و الثانى بالحلّ و هو ان معنى كون العبادة مكروهة كونها اقل ثوابا و معنى كونها مستحبة كونها اكثر ثوابا و معنى كونها مباحة كونها على القدر الذى يكون هذه المهية من الثواب و اقلية الثواب لا تستلزم مرجوحيّة الفعل حتّى يكون مكروها بالمعنى المصطلح و ما قيل من ان الفردين اذا كانا من جنس واحد و حقيقة واحدة فلا معنى لكون احدهما اقل ثوابا و الاخر اكثر الا لاجل تعارض مفسدة فى الاول مع هذه المصلحة الكائنة فى نفس المهية توجب نقضا فى المصلحة الكاينة و لذا صار الثواب المترتب عليه ناقصا فيكون ايقاعه هنا مرجوحا و كذا اكثرية الثواب ليس الا لاجل مصلحة زايدة على هذه المصلحة الكاينة فى نفس المهيّة توجب زيادة ثواب على الثواب المترتب على نفس المصلحة الكاينة فى نفس المهيّة فيكون ايقاعه فى ضمن هذا الفرد راجحا و هذا هو معنى المستحبّ المصطلح مدفوع بانا لا نسلم كون اقلية الثواب لاجل تعارض مفسدة بل لان ذات هذه العبادة لا يقتضى الا هذا القدر من الثواب الا ترى ان مراتب العبادة مختلفة فى ترتب الثواب عليها فانه يترتب على بعضها ثواب اكثر من الثواب المترتب على بعض اخر و لم يقل احد ان ذلك لاجل تعارض مفسدة فى العبادة التى تكون اقل ثوابا و كون الفردين داخلين تحت جنس واحد لا يستلزم ما ذكرت لان الصّلوة و الصوم و الحج و الزكوة و غيرها من العبادات داخلة تحت جنس واحد و هو العبادة فكما انه لا معنى لأن يكون اقلية الثواب لأجل معارضة مفسدة فى هذه المذكورات فكذا فى الفردين على انه بعد فرض كون المفسدة مستهلكة فى ضمن المصلحة بحيث لا يوجب ارتفاعه عن مرتبة الوجوب و ان اوجب كون الثواب المترتب عليه اقل و لكن لا يستلزم مرجوحية فعله كما لا يخفى فظهر مما ذكرنا حال المستحبات و الجواب عنها و لكن يرد على مفسّر الكراهة بهذا المعنى ان يكون اكثر العبادات مكروهة كالصّلوة فى البيت فانها اقل ثوابا من الصّلوة فى المسجد و كذا الصّلوة فى المسجد الجامع تكون مكروها لانه اقل ثوابا من الصّلوة فى المسجد الكوفة و هكذا و لم يقل به المفسّر مع كونه باطلا و يرد على هذا المفسر ايض انه لا شك و لا ريب انه اذا لم يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقى فاقرب المجازات و لا شك انّ الكراهة بالمعنى المصطلح اقرب الى الحرمة التى هو المعنى الحقيقى لصيغة لا تفعل عرفا حتى قيل انها معنى حقيقىّ لها كما مر سابقا و اعتبارا ايض كما لا يخفى و لو قيل ان الحمل على اقرب المجازات متعيّن اذا لم يكن قرينة مانعة منه و الا لا يجوز الحمل عليه كما لا يجوز على الحمل الحقيقى لذلك و القرينة العقلية هنا موجودة و هى انه لا يمكن ان يكون شىء واحد راجحا فعله مع مرجوحية قلنا قد اثبتنا سابقا عدم امتناع انه يمكن ان يكون شىء واحد مطلوبا و مبغوضا من الجهتين اللتين يمكن انفكاك كل منهما عن الاخرى فانا كثيرا ما نامر عبيدنا باتيان شىء و ننهاهم عن اتيان فرد مخصوص باعتبار الخصوصيّة و لكن لو اتى به فى ضمن هذا الفرد يكون اتيا بالمطلوب لحصوله فى ضمن هذا الفرد كما نامره باتيان الماء و ننهاه عن الاتيان به فى ضمن ظرف مخصوص كظرف الكاشى مثلا لخصوصيّة الظرف المخصوص فلو اتى به فى ضمن هذا الظرف يكون اتيا بالمطلوب و لا نقول له انك لم تات بالماء و لكن يكون معاقبا لكونه منهيّا عن ايجاده فى ضمن هذا الفرد نعم لو فهم التقييد كما يفهم ذلك فى قوله صلّ و لا تصل فى الدار المغصوب فلا يكون اتيا بالمطلوب لو اتى بالصّلوة فى الدار المغصوبة و ذلك لفهم العرف تقييد المطلوب و هو الصّلوة بكونها فى ضمن غير الصّلوة فى الدار المغصوبة بمعنى ان الصّلوة فيها خرجت عن المطلوبيّة و لم يتعلق الامر بها و ان كان خروجها عن المطلوبيّة باعتبار ايجادها فى ضمن هذا الفرد فانه لا يمكن ان يكون شىء واحد مرجوحا و راجحا و لو كان من الجهتين فان قلت فما التفرقة بين المقامين فانه فى المكروهات ايض كالصّلوة فى الحمام النهى تعلق بالصّلوة باعتبار كونها فى الحمام و الامر متعلّق بها باعتبار كونها صلوة و كما تقول هناك بعدم الجواز لامتناع كون شىء واحد راجحا و مرجوحا فكذا يلزمك القول بعدم الجواز هنا ايض قلت نحن نمنع تعلق النهى التنزيهى بالصّلوة فى الحمام
بل النهى تعلق بايجادها فى ضمن هذا المكان و ذلك لاجل مبغوضيّة هذا المكان و لم يسر مبغوضيّة الى الصّلوة حتّى تكون مرجوحة بخلاف مبغوضيّة الدار المغصوبة فانها تسرى الى الصّلوة فصارت مرجوحة و لا يمكن ان يكون مطلوبة توضيح ذلك ان الشىء اذا كان من حيث هو مطلوبا و صاحب المصلحة فاما ان يوجد فى ظرف لا يكون فى ايجاده فيه مفسدة و لا مصلحة و اما ان يوجد فى ظرف يكون فى ايجاده فى ضمن هذا الظرف مصلحة زايدة على المصلحة الكاينة فى نفس ذلك الشىء و اما ان يوجد فى ظرف يكون فى ايجاده فى ضمن هذا الظرف مفسدة و هو ايض على ضربين الاوّل ان يكون هذه المفسدة غالبة على المصلحة الكامنة فى نفس الشىء و لم يتعد المبغوضيّة الى المظروف بل المبغوض هو ايجاده فى هذا الظرف المخصوص فقط و الثانى ان يكون هذه المفسدة غالبة على المصلحة الكامنة فى نفس الشىء و صارت المصلحة كان لم تكن و تسرى المفسدة الكائنة فى الظرف الى المظروف و صار المظروف نفسه مرجوحا و ان كان لاجل مرجوحيّة الظرف و ذلك الشىء مثل الماء فانه مطلوب من حيث هو فايجاده و اتيانه فى ضمن الظروف المتعارفة لا يكون مطلوبا و لا مبغوضا و لا يكون الاتى به فى ضمن هذه الظرف ممدوحا و لا مذموما من هذه الجهة و ان كان ممدوحا لاجل اتيانه بالمطلوب و اتيانه فى ضمن الظروف الطينية يكون مطلوبا و يكون الاتى به فى ضمن هذا الظروف من هذه الجهة ايض ممدوحا و مثابا و اتيانه فى ضمن ظرف لم يتعارف بين الناس شرب الماء منه و لكن كان فى حدّ ذاته لطيفا كابريق لم يستعمل بعد و كان نظيفا يكون مكروها و مرجوحا و لكن لو اتى به فى ضمنه يكون اتيا بالمطلوب و لم يقل احد انه لم يات بالمطلوب و اتيانه فى الظرف المذكور مع كسافته التامة كابريق استعمل كثيرا و كان فى اطرافه العذرة