القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٤٦ - فى اجتماع الامر و النهى
الصورة فلا يلزم المحذور و الثالث انه لو كان الاجتماع صحيحا للزم ان يكون الشىء الواحد الشخصى محبوبا و مبغوضا بيان ذلك ان محبوبيته الماهية مستلزمة لمحبوبيّة كل فرد من افرادها كما هو ظاهر بالعيان و الوجدان و كذا مبغوضيتها يستلزم ذلك و الا لما كان الاتيان بالفرد كافيا فى الاول و حراما فى الثانى و ذلك واضح و معلوم بالضّرورة انه لا يمكن ان يكون الشىء الواحد محبوبا و مبغوضا و بعبارة اخرى لا يمكن ان يكون الشىء الواحد موجدا للمصلحة و المفسدة و القول بان الجهة تقييديّة لا يجدى لان هذا الفرد شىء واحد فاما ان يكون فى الواقع مطلوبا للسّيد او مبغوضا له و لا يمكن ان يجتمع كلاهما فيه بل لا يجوز و ان صرّح به كما لو قال اشتر الحيوان و لا تشتر الاسود ثم قال و لو اشتريت الحيوان الاسود لكنت اتيا بمطلوبى اعنى الحيوان او لكنك معاقب لاتيانك بمبغوضى اعنى الاسود فانه لا شكّ فى ان هذا القائل يعد سفيها عند العقلاء بلا تامّل و خفاء و قد يفصّل فى الجواب عن هذا الاستدلال بان ذلك الاستدلال تمام فيما يعدّ فى العرف شيئا واحدا كما فى المثال المذكور و كما فى قوله اغسل و لا ترتمس فان الغسل و الارتماس فى العرف شىء واحد و كما فى قوله صل و لا تغصب فان الصّلوة فى الدار المغصوبة ليس شيئا وراء الغصب بل هى هو و غير تمام فيما يعد شيئين فى العرف كما فى مثال الخياطة فانها غير الغصب فى العرف و كما لو قال السّيد لعبده ايتنى بالماء و لا تتصرّف فى مال زيد فالق بالماء فى ظرف زيد فان المحبوب هو الماء و هو عين التصرّف المبغوض و مراد هذا القائل انه يحكم العقل بعدم الجواز لان العرف يفهم التخصيص فى الامثلة الاولى دون الثانية حتّى يرد بان المقام مقام جواز العقلى لا الفهم العرفى نعم ادعى هذا القائل شيئا يطابق فهم العرف على زعمه كما صرّح به و فى هذا التفصيل نظر واضح و الحق فى الجواب عن هذا الاستدلال هو ان ما ذكره من ان محبوبيّة المهيّة مستلزمة لمحبوبيّة كل فرد من افرادها مم ان اراد محبوبية الفرد بخصوصه و الوجه واضح و ادّعاء وضوح الاستلزام مم و ان اراد محبوبيّة المهية المطلقة حتى الموجودة فى ضمن هذا الفرد فهو مسلّم و لا لكن لا يلزم كون شىء واحد محبوبا و مبغوضا بل المحبوب شىء و المبغوض شىء اخر نعم يكون المحصّل لهما شيئا واحدا و لا ضير فيه بعدم امكان قصد التقرّب كلام لا يلتفت اليه اذا مكانه لا يخفى على احد ثم لا يخفى عليك ان هيهنا مقامين الاول الاوامر التى يكون المقصود فيها محض التوصّل الى الاثر المرتّب عليها و ليس الفعل مقصود اصلا كما فى اغسل ثوبك فان المقصود بالذات هو طهارة الثوب و ليس نفس فعل الغسل مطلوبا اصلا و لا يكون المقصود فيه الاطاعة قطعا و لذا لو غسل الثوب من لم يكن مامورا بغسله لكان مسقطا للامر عن المامور و مثله الامر بالخياطة و امثال ذلك كثير و الثانى الاوامر الّتى ليس المقصود فيها هو محض الاثر المرتّب عليه بل المقصود هو حصول الفعل مع قصد التقرّب نحو صل و امثاله من الاوامر العبادتيّة لا نزاع فى القسم الاول فى ان الاتيان بالفرد الحرام يكون مجزيا و انما النزاع فى الثانى و ح فلا يخفى عليك ما فى قول المفصّل و الحق فى الجواب هو ما ذكرنا من ان المحبوب شىء و المبغوض شىء اخر و المحصّل لهما شىء واحد و لو منع المستدل عن هذا و قال ان الموجود الخارجى هو شىء واحد شخصى و ما ذكرته انما هو بحسب الدقة و التحليل الذهنى فيلزم المحذور لقلنا فى جوابه سلّمنا ذلك و لكن نرى بالعيان و الوجدان وقوعه كثيرا و نرى شيئا واحدا تحصل فى ايجاده الاطاعة و المخالفة ا لا ترى انه لو امر الزوج زوجته بالاحتجاب و السّتر عن الغير لا لاجل وصول الاثر المترتب عليه فقط بل قصد حصول الاطاعة فيه ايض و نهاها عن التصرّف فى مال زيد الذى يكون فى بيته فاخذت مقنعة من هذا المال و سترت بها بقصد امتثال الزوج ليس للزوج ان يعاقبها على ترك الستر و لو قال ذلك يعد من السّفهاء بلا تامّل و خفاء و له ان يعاقبها على التصرّف المذكور كيف يمكن انكار ذلك و الحال انه فى الشريعة واقع فوق حدّ الاحصاء مثل الصّلوة فى المسجد فانها مستحبة مع كونها واجبة و الصّلوة فى الحمام مكروهة مع كونها
واجبة و امثال ذلك كثير لا يخفى على المتشرّع و الاحكام الخمسة باسرها متضادة كما لا يخفى على المتدبّر فى معانيها فلا معنى للقول بجواز اجتماع بعضها مع بعض و منع الاجتماع فى بعض اخر و لذا تصدى المانعون من الاجتماع لبيان معنى الكراهة فى العبادات فقال بعضهم بان النهى تعلق بشىء خارج عن العبادة لا بنفس العبادة ففى النهى عن الصّلوة فى الحمام قال ان المنهىّ عنه هو الكون فى معرض الرشاش و هو شىء خارج عن الصّلوة فالصّلوة واجبة و ليست بمكروهة و فيه اولا ان هذا الكلام يجرى فيما نحن فيه بطريق اولى لان متعلق النهى فيما نحن فيه هو الغصب مثلا و هو غير الصّلوة بخلاف المثال الذى ذكرته فان ظاهره ان النهى تعلق بالصّلوة لانه قال لا تصل فى الحمام و ثانيا ان هذا لا يجديك لان الكون المنهىّ عنه هو جزء الصّلوة فى الحمام فيلزم المحذور و قال بعضهم بان مكروه العبادة هو ما كان ثوابه اقل من غيره فلا يلزم فيه محذور لان المكروه بمعنى مطلوب الترك لاجل وجود مفسدة ينافيه فى الوجوب لا هذا المعنى اعنى اقلية الثواب و فيه ان المراد باقلية الثواب عن الغير اما يكون اقلية الثواب عن جميع الاغيار او عن الغير فى الجملة و لو لم يكن بدله او عن الغير الذى هو بدله فان كان الاول فلزم ان لا يكون الكراهة متفاوتة و متدرجة بل يكون جميع المكروهات فى مرتبة واحدة و هو خلاف التحقيق و خلاف ما صرّحوا به فانهم كثيرا ما يقولون ان هذا اشدّ كراهة و ان كان الثانى فلزم ان يكون جميع المستحبّات مكروهات لكونها اقل ثوابا عن الواجبات بل يلزم ان يكون الواجبات مكروهات الا الواجب الذى ثوابه اكثر من كل الواجبات و ان كان الثالث فيلزم ان يكون الصّلوة فى اكثر المساجد مكروهة لكونها اقل ثوابا منها فى المسجد الحرام مع انا نقول الاخبار عن اقلية الثواب اما مع كون مطلوبيّة ترك ما كان ثوابه اقل او مجرد اخبار