القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٣٧ - فى افادة الجمع المحلى العموم
فى العموم ايض فهم التناقض من نحو قول القائل اكرم العلماء لا تكرم العلماء و قوله اكرمت العلماء ما اكرمت العلماء و لو لم يكن موضوعا للعموم لما كان القولان متناقضين اذ لا منافاة بين الامر باكرام بعض مخصوص و النهى عن اكرام بعض مخصوص اخر و الاخبار عن اكرام بعض مخصوص و الاخبار عن عدم اكرام بعض مخصوص و فهم التناقض مما لا ريب فيه فثبت كونه موضوعا للعموم و ايض يفهم من قول القائل اكرم العلماء و لا تكرم هذه الطايفة منهم التخصيص و كون الثانى مخصّصا لا مبينا و لو لم يكن لفظ العلماء موضوعا للعموم لما كان مخصّصا لان التخصيص عبارة عن اخراج بعض ما يتناوله اللفظ و فهم المخصّصية دون فهم المبينية مما لا ريب فيه فيكون موضوعا للعموم و مما يدلّ على كون الجمع المحلى باللام موضوعا للعموم ما اشتهر فى الالسن ما من عام الا و قد خص الذى استدل به القائل بكون الالفاظ المدّعى كونها موضوعا للعموم موضوعا للخصوص وجه الدلالة ان معنى هذه العبارة ظاهر ان العام موجود و لكن لم يكن باقيا على معناه بل صار مخصّصا اذ التخصيص فرع وجود العام لما عرفت فاذا ثبت وجود اللفظ الموضوع للعام يكون الجمع المحلّى منه لان القائلين بوجود العام متفقون على كون الجمع المحلى باللام منه و انما المخالف هو القائل بعدم الوجود فدلالة هذا الدّليل على كون الجمع المحلى باللام مفيدا للعموم موقوف على عدم وجود قائل بكونه موضوعا للخصوص غير القائل بالخصوص عاما و الظ عدم وجوده فان قلت ان ذلك يدلّ على وجود العام بحسب الوضع اللغوى و هو مسلّم و مراد الخصوصى ان هذه الالفاظ صارت حقايق عرفية لغلبة استعمالها فى الخصوص و الشاهد على الغلبة هو المثال المذكور قلت مراد القائل بوضعها للخصوص ان بحسب الوضع اللغوى هذه الالفاظ موضوعة للخصوص لانها منقولات فما ذكرته مدفوع بالاجماع المركّب و من هنا ظهر بطلان استدلالهم بهذا الدليل و اما استدلالهم بكون الخصوص قدرا متيقنا ففيه ان كلامنا انما هو بحسب الاجتهاد و اثبات الواقع لا بحسب الفقاهة و هذا الدّليل لا يثبت الا كون الخصوص مرادا يقينا اما من جهة دخوله فى العموم او كون اللفظ مستعملا فيه بالخصوص و اما كون الخصوص موضوعا له فلا يثبت من هذا الدليل و القول بانا نرى بناء العالم على الخصوص و العمل بمقتضاه فيكشف ذلك عن كونه موضوعا له كلام لا وجه له لان هذا مجرّد دعوى و لا ريب فى عدم ثبوت ذلك البناء نعم الجاهل بالوضع بنائه على القدر المتيقن مع ان التمسّك ببناء العرف غير الأستدلال بكون الخصوص قدرا متيقنا مع انه يمكن الاستدلال بكون هذه الالفاظ موضوعة للعموم بالدليل الاعتبارى المقابل لهذا الدليل و هو ان الوضع للخصوص موجب للاجمال و الاهمال و هو مناف لمقتضى حكمة الوضع فتعين كونه موضوعا للخصوص اما المقدمة الاولى فلما بيّنا من ان مراد القائلين بكون هذه الالفاظ موضوعة للخصوص هو الخصوص المعيّن بمعنى كون كل مرتبة من مراتب الخصوص بخصوصها موضوعا له فح لو استعمل اللفظ كان مجملا يقينا و اما المقدمة الثانية فلان الغرض الاصلى من الوضع هو اداء المقاصد بهذه الالفاظ من دون ضميمة شىء فالوضع لشىء يوجب الاجمال و الاهمال ينافى هذا الغرض و اما لزوم كونه موضوعا للعموم على فرض ثبوت هاتين المقدّمتين فلان المتصور ح اما وضعه للخصوص على سبيل الاطلاق بمعنى ان الموضوع له شىء عام فلا يكون مجملا او للعموم و الاول منتف لعدم القائل بالفصل فتعين الثانى و هو المطلوب فان قلت اذا ثبت بحسب الفقاهة وجوب الاخذ بالخصوص يكفى فى اثبات المطلوب لأن الفرض الكلى من التشاجر و التنازع فى امثال هذه المقامات هو فهم المراد و بناء العمل عليه سواء كان بالدليل الاجتهادى او الفقاهتى و لذا كثيرا ما نرى الفقاء فى مقام الاجتهاد يتمسّكون بالاصول الفقاهية فى اثبات الوجوب او الحرمة او دفعهما قلت مقتضى اصالة الاشتغال هو الحمل على العموم فى اغلب الموارد لانه لو كان للخصوص كان مجملا كما من فمقتضى اصالة الاشتغال هو الاتيان بجميع المحتملات لان التكليف بالمجمل يقتضى الاتيان بجميع المحتملات فالاتيان بالعموم لازم لان الاتيان بجميع المحتملات لا ينفك من العموم و لا يمكن اجراء اصالة البرائة لان الشك فى المكلف به لا فى التكليف فان اللفظ الدال على الحكم لا يكون مجملا و انما الاجمال فى المتعلق مثل اكرم العلماء فان اكرم ليس مجملا و انما الاجمال فى المتعلق فان قلت لا شك و لا ريب ان معرفة الحقيقة و المجاز ليست واجبة من باب التعبّد و لا ثمرة فى
ذلك الا تشخيص المعنى الحقيقى عن المجازى حتى يحمل اللفظ عليه عند التجرد لما اجمع عليه من اصالة الحقيقة و معلوم ان ذلك الاصل موقوف على عدم مرجوحيّة الحقيقة عند اكثر المحققين و لذا عنونوا مسئلة اخرى و هى المسئلة المشهورة بمسئلة المجاز الراجح و الحقيقة المرجوحة فذهبوا فيها الى ثلثة اقوال الاول الحمل على المجاز الراجح و هو مذهب ابى يوسف من العامة و الثانى الحمل على الحقيقة و هو مختار ابى حنيفة منهم و مال اليه بعض متاخرى اصحابنا و الثالث التوقف و هو مختار المشهور من العامة و الخاصّة و نظر الاوّل الى ان الشهرة قرينة صارفة عن المعنى الحقيقى و معينة للمعنى المجازى فلا مفر الى الحمل على المجاز و نظر الثانى الى الاستصحاب و نظر الثالث الى تكافؤ رجحان المجاز الحاصل من غلبة الاستعمال فيه مع رجحان الحقيقة المثبت من الوضع و كيف كان لا شك و لا ريب ان استعمال العام فى الخاص كثير غاية الكثرة حتى صار مثلا ما من عام الا و قد خصّ و يكفى فى كونه مشهورا ان العلماء تصدوا لوجدان عام استعمل فى العموم و لم يجدوا الا العام فى ان اللّه على كل شىء عليم و كيف كان ليس مجاز مشهور بهذه المرتبة فعلى هذا لا ثمرة فى بيان ان الجمع المحلّى هل هو موضوع للعموم ام لا كما انه لا ثمرة على هذا ايض