القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٢٩ - فى اقتضاء النهى عن الشىء للفساد
فيها لا يدل على الفساد فانه لا شك انه لو مشى من طريق الغصبى لا يكون حجه فاسدا و كذا لو ازال النجاسة بماء الغير فظهر ان النهى يدلّ على الفساد عرفا اذا تعلق بالعبادة او جزئها او شرطها الا هذا القسم الاخر و اما عقلا فلا يدلّ فى شىء مما ذكر كما مرّ بيانه و ظهر ايض ان هذه الدلالة لا اختصاص لها بالشّرع لما عرفت من الامثلة العرفية الغير الشرعيّة بقى الكلام فى المعاملات و هى على قسمين الاول ان يكون من قبيل الاسباب اى تكون العبادة الدالة على ترتب الاثر عليها بطريق السّببية كقوله اذا التقى الختانان وجب الغسل و مثل الماء ظاهر و البول ناقض و البيع سبب للانتقال و امثال ذلك و الثانى ان يكون من قبيل الاحكام التكليفية بمعنى ان يكون الصّحة فيها ثابتة باستلزام الحكم التكليفى مثل قوله تع أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و مثل قوله عز من قائل أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و الحق ان النهى فيها لا يدل على الفساد بكلا قسميه اما الاول فالامر فى غاية الوضوح فان قوله لا تزن لا يفهم منه الا حرمة الزنا اما انه اذا صدر منك وجب عليك الغسل اولا فلا دلالة عليه فى هذا اللفظ و لا يناقضه الحكم بوجوب الغسل و لا عدمه فاذا كان كك يكون اطلاق اذا التقى الختانان باقيا على حاله و لا يعارضه شىء لانه لا منافاة لا عقلا و لا شرعا و لا عرفا بين حرمة الزنا و وجوب الغسل و اذا التقى الختانان مطلق و لا تفرقة بين ان يكون الالتفاء بالطريق المباح او الحرام و لا انصراف فى البين على انه ان كان منصرفا الى الافراد المباحة فهو مرحلة اخرى و ليس لاجل دلالة النهى على الفساد و هكذا حال ساير الامثلة و اما القسم الثانى فهو واضح ايض اما عدم المنافاة عقلا فواضح لانه لا منافاة بين وجوب الوفاء بالعقد اذا صدر عن العاقد و حرمة ارتكابه فانه لا شك انه لا يفهم من قوله لا تبع ربويا انه اذا صدر منه البيع الربوى لا يجب الوفاء به و لا يترتب عليه الأثر فالاطلاق و العموم باقيان على حالهما فيمكن التمسك بهما فى صحّة البيوع المحرّمة التى لم يثبت فسادها من دليل خارج و كذا قوله أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ فانه يدل على صحّة البيع و ترتب الاثر لكل ما يسمّى بيعا فلو نهى عن فرد خاص لا يستلزم عدم ترتب الاثر و لا منافاة بين ترتب الاثر و حرمتها نعم يرد على القائلين بعدم دلالة النهى على الفساد المستدلين بصحة البيوع لقوله أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ انه لا تفرقة بين هذا و بين قوله تع وَ حَرَّمَ الرِّبا فى انه كما يمكن الاستدلال بالاولى على الصّحة كما تمسكتم فى اثباتها بها كذا يمكن التمسّك بالثانية على الفساد لان الوجه المصحّح للاستدلال فى الاولى ان كان هو استلزام الحلية الصّحة فيكون الحرمة مستلزمة للفساد و ان كان هو ان الحلية تعلقت بترتب الاثر على البيع بمعنى ان المراد من أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ان الاثر المترتب على البيع الذى كان متعارفا بينكم حلال فهو جار فى حرم الربا ايض بعينه فلا معنى للقول بان الاولى تدلّ على الصّحة و الثانية لا تدلّ على الفساد و يمكن ان يق يستبعد عند العقل ان صرّح الشارع بكلية البيع الذى لا يترتب عليه الاثر و هذا الاستبعاد ليس فى طرف التصريح بالحرمة و بالجملة لا يفهم العرف فى الاولى الصحّة و لا يفهم الفساد فى الثانية و لا نقول باستلزام الحلية الصحّة كما توهّمه بعض و لذا قال ان الاصل فى المعاملات الصحّة لان المعاملة شىء و الاصل فى الاشياء الاباحة و هى مستلزمة للصحّة لانه لا معنى لكون الشىء مباحا مع كونه فاسدا لان فساد ذلك ظاهر لانه لا منافاة بين عدم العقاب على الفعل الذى هو معنى الاباحة و بين عدم ترتب الاثر عليه الذى هو معنى الفساد فى المعاملات فظهر ان نظرهم فى الاستدلال على الفهم العرفى لا الاستلزام العقلى حتى يرد ما ذكرت من انه لا تفاوت بينه و بين حرم مع ان ادعاء الاستلزام كلام لا وجه له لما عرفت فظهر انه لا منافاة عقلا بين كون المعاملة صحيحة و وجوب الوفاء بها و كونها حراما اما عرفا بان يق يتبادر من قوله لا تبع ربويا و لا تبع هذا البيع فساد البيع الرّبوى و غيره المنهىّ عنه و كذا يتبادر من قوله حرم الربا فساد البيع الربوى و بالجملة يتبادر من لفظ النهى الفساد فالجواب ان التبادر مم فانه لا شك و لا ريب انه لا يفهم
من مجرّد لفظ حرّم الربا انه لا يترتّب عليه الاثر لو فعل هذا البيع و هكذا فان قلت يمكن ادعاء انصراف اوفوا بالعقود الى الافراد المباحة و كذا أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ فلم يكن مقتضى للصّحة فى الفرد الحرام فاذا لم يكن مقتضى للصحة فيكون فاسدا لان الاصل الفساد قلت هذا رجوع عن ادعاء دلالة النهى على الفساد بل الحكم على الفساد ح لعدم المقتضى لا لاجل النهى و كلامنا فى الثانى و سيأتى الكلام فى الاول فت فظهر ان التمسّك بالتبادر فى دلالة النهى على الفساد فيها كلام لا وجه له و اما استدلالهم فى دلالتها شرعا على الفساد بالاجماع فان علماء الامصار فى جميع الاعصار لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهى فى ابوابها كالانكحة و البيوع و غيرها ففيه اولا ان هذا الاتفاق غير معلوم لنا بل معلوم خلافه و ثانيا ان هذا الاتفاق فى الكتب الفقهية مناف لكلامهم فى كتبهم الاصولية فان المشهور بين اصحابنا على ما حكى ان النهى لا يدلّ على الفساد فى المعاملات فان الذى تمسّك فى الفقه بفساد المعاملة بالنهى يقول فى الاصول ان النهى لا يدلّ على الفساد حيث اشتبه علينا وجود الاتفاق على دلالة النهى على الفساد و ان ثبت اتفاقهم على الاستدلال به على الفساد يكفينا فى عدم دلالته على الفساد فان الاطلاق و العموم فى المقام معلوم و المانع غير معلوم فيدفع بالاصل و يحكم بصحة المعاملة و لا يهمنا بيان وجه استدلالهم فى الفقه به عليه و لا يضرنا عدم العلم بالوجه على انه يمكن ان يق وجه استدلالهم به عليه لوجود القرينة فى المقام على استعمال النهى فى هذا المعنى و لا معنى للتمسّك باصالة عدم القرينة لان كلامهم فى الاصول قرينة على ان الاستدلال بالنهى للقرينة او لاجل ان الاجماع منعقد فى المقام على ان الحرمة فى المسئلة تستلزم الفساد بمعنى ان من قال بالحرمة قال بالفساد و النهى يدل على الحرمة فلما كانت هاتان المقدّمتان مسلّمتان عندهم فيتمسّك الخصم بوجود النهى على الفساد ذلك لا يستلزم دلالة النهى على الفساد كما