القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ١٣١ - فى اقتضاء النهى عن الشىء للفساد
الكلام فى استدلال الأخبار المحرمة و قد سمع المخالفون هذا القول و فهموا ان النكاح المحرم فاسد و هذه الكلية عندهم مسلّمة و يتفرعون عليها الجزئيات فزعموا ان النكاح بدون اذن السّيد نكاح محرّم فحكموا بفساده لهذه الكلية فالمعص (ع) منع عن ذلك فقال انه لم يعص اللّه و ليس هذا من النكاح المحرم الذى هو فاسد و الحاصل ان الحكم بفساد النكاح فى صورة كونه معصية ليس لاجل انه معصية بل للاجماع على ان النكاح المحرّم فاسد و قد يذب عن الايراد بان مخالفة السّيد مخالفة اللّه فالرواية تدلّ على خلاف المطلوب بالتفصيل بين تعلق النهى بنفس المعاملة او بشىء خارج عنها فان الاول يدلّ على الفساد دون الثانى كما هو مفاد الرواية فان المراد بقوله لم يعص اللّه انه لم يعص اللّه فى اصل المعاملة و لأجل ذاتها فلا يكون فاسدا بل انما عصى اللّه لاجل مخالفة السّيد و ارتكاب هذه المعاملة بدون اذن مولاه و فيه اولا هذا تفصيل لم يكن موجودا و لم يقل به العلماء و مدفوع باتفاق الطرفين على بطلانه الا شاذ منهم و فيه نظر و ثانيا ان الكلام فى صورة ارتكاب العبد التزويج بدون اذن السّيد لا مع نهيه و ارتكاب العقد فى الاول لم يكن معصية كما فى البيع الفضولى و القول بان هذا تصرف فى مال الغير لأن العبد مال المولى فارتكابه لجريان صيغة النكاح تصرّف فى نفسه و التصرف فى مال الغير بدون اذنه حرام فارتكابه للعقد معصية فيه اولا ان كون هذا تصرّفا فى مال الغير مم و ثانيا بعد تسليم كونه تصرّفا نمنع حرمة كل تصرّف و شمول الادلة الدالة على حرمة التصرف لمثل هذا التصرّف و هذا ظاهر كما لا يخفى فظهر لك من جميع ما ذكرنا ان النهى من حيث هو لا يدلّ على الفساد و الحرمة من حيث هى لا تنافى الصّحة فى المعاملات لا عقلا و لا عرفا و لكن الحكم بالصّحة موقوف على ثبوت المقتضى لها و الا فالحكم بالفساد متعيّن لا لاجل النهى بل للاصل الذى قررناه سابقا و لذا نحكم بالفساد و ان لم يكن هناك نهى فالاهم الكلام فى اقتضاء المقتضى و شموله للافراد المحرمة فنقول المقتضى لصحة العقد على قسمين الاول ان يدلّ على الصّحة بالمطابقة و بدلالة مستقلة كقوله (ع) اذا التقى الختانان وجب الغسل و نحو ذلك و الثانى ان يدلّ عليها بالالتزام نحو قوله تع أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ فانه يدلّ بالمطابقة على الحكم التكليفى اعنى اباحة هذا الفعل و بالالتزام على الصّحة اى ترتّب الاثر و نحو قوله تع أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فان كان من قبيل الاول فلا شك فى شموله للفرد المباح و الحرام فانه مطلق و شامل للفردين و لا انصراف فى البين كما هو غير خفى و ان كان من قبيل الثانى فالحق انه لا يشمل للعقود المحرّمة لان المحرمة و الحلية متضادتان و لا يجتمعان من محل واحد فاذا كان البيع المخصوص حراما لا يمكن ان يكون حلالا فبمجيئ الحرمة ارتفع الحلية ارتفع الصّحة لانها تابعة و لازمة لها و اذا ارتفع الملزوم ارتفع اللازم يقينا و لا شك ان دلالة أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ على الاباحة و الصّحة ليس بدلالتين مستقلتين حتى يق ان ارتفاع احدهما لا يستلزم ارتفاع الاخر كما هو ظاهر على من راجع وجدانه فانا نرى فرقا بينا بين أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و بين اكرم كل عالم لا يق لا شك و لا ريب ان المقصود بالذات من هذه العبارة فى العرف و العادة هو اثبات الصّحة و لا يكون منظور المتكلم بهذا الكلام اثبات الاباحة فى العرف و العادة فهذه العبارة بمنزلة ان يقول جعل اللّه البيع سببا للانتقال و لا شك ان الحرمة لا تنافيه فيمكن التمسّك فى اثبات البيوع المحرّمة بقوله تع أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ لانا نقول لا نسلّم ذلك بل المفهوم من أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ شيئان الحكم التكليفى و الحكم الوضعى و ان كان المقصود بالذات بيان الحكم الوضعى و لكن مراد القائل بمثل هذه العبارة فى العرف و العادة هو بيان الحكم الوضوء فى ضمن الحكم التكليفى لا محض بيان الحكم الوضعى و لذا لا يق فى العرف و العادة للبيع الحرام هذا حلال مع انه يقولون فى البيع الحرام هذا يترتب عليه الاثر و لا تفرقة فيما ذكرنا بين ان يكون اللفظ الدال على الحرمة هو لفظ حرم او صيغة النهى سواء كان مقارنا او غير مقارن و ان كان فهم التخصيص فى المقارن اظهر مثل قوله تع أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا و كذا اذا كان بلفظ الحرمة فان فهم التخصيص
فيه اظهر هذا اذا قلنا بكون حرّم الربا اخص من أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و اما اذا قلنا بكونهما متباينين بالتباين الجزئى فنقول بالفساد ايض لانه اذا تعارضا فى محل الاجتماع و لم يكن مرجح فى البين فنرجع الى الاصل فى المقام و هو الفساد و هكذا فى غير ذلك المثال من المتباينين بالتباين الجزئى اذا كان احد طرفى النسبة احل اللّه و بعبارة اخرى اذا كان بين احل اللّه البيع و بين المنهىّ عنه التباين الجزئى فيحكم بالفساد كما اذا كان بينهما عموم و خصوص مطلق و الفرق بينهما ان فى المطلقين يحكم بالفساد للظن بعدم المقتضى و فى المتباينين بالتباين الجزئى للشك فى وجود المقتضى فعلى هذا لا يمكن التمسّك باصالة صحة البيع و دفع ما شك فى شرطية او جزئيته لان الاصل الاولى هو الفساد كما مرّ و لم يكن اطلاق فى البين ايض فت اللهمّ الا ان يق بان دليل صحة البيع هو البيعان بالخيار ما لم يفترقا و هو شامل لجميع افراد البيع مباحا كان او حراما فيكون اصلا فى البيع يرجع اليه عند الشك و لكن فيه نظر واضح لان هذا الاطلاق يكون فى بيان حكم اخر و ليس نظره الى ان كلّ بيع يترتب عليه الاثر كما لا يخفى هذا حال احل اللّه البيع و اما اوفوا بالعقود فلا شكّ فى عدم شموله للفرد المنهىّ عنه بمثل قوله لا توف بهذا العقد لان حرمة الوفاء لا يجتمع مع وجوبه و لا يمكن العمل بهما لا من حيث الحكم التكليفى و لا الوضعى فلا يكون اوفوا بالعقود شاملا لهذا الفرد المنهى عنه و هذا ظاهر و اما لو كان اللفظ الدال على الحرمة غير هذا اللفظ مثل قوله البيع الفلانى حرام و حرّم اللّه البيع الفلانى او لا تبع هذا البيع فلا شكّ فى عدم منافاة العقلى لأنه لا منافاة عقلا بين حرمة البيع و وجوب الوفاء بمضمونه لو فعل هذا البيع لان متعلّق الوجوب هو الوفاء بالعقد بعد تحققه و متعلق الحرمة هو نفس البيع و ليس الامر بالوفاء بالعقد امرا بايجاد العقد بل تعلق الامر بالوفاء بالعقد بعد تحقق العقد فلا يرد ان الامر بالوفاء بالعقد و ان لم يكن متعلّقا بالعقد و لكنه مستلزم له لان