الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٥ - فصل في هديه في علاج الحمّى
و في «السنن»: من حديث أبي هريرة قال: ذكرت الحمّى عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسبها رجل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تسبّها فإنّها تنفي الذّنوب، كما تنفي النّار خبث الحديد» [١].
لما كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، و تناول الأغذية و الأدوية النافعة، و في ذلك إعانة على تنقية البدن، و نفي أخباثه و فضوله، و تصفيته من مواده الرديئة، و تفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه، و تصفية جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفّي جوهر الحديد، و هذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان.
و أما تصفيتها القلب من وسخه و درنه، و إخراجها خبائثه، فأمر يعلمه أطباء القلوب، و يجدونه كما أخبرهم به نبيّهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكن مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه، لم ينفع فيه هذا العلاج.
فالحمّى تنفع البدن و القلب، و ما كان بهذه المثابة فسبه ظلم و عدوان، و ذكرت مرة و أنا محموم قول بعض الشعراء يسبّها:
زارت مكفّارة الذّنوب و ودعت* * * تبّا لها من زائر و مودّع
قالت و قد عزمت على ترحالها* * * ما ذا تريد فقلت ألّا ترجعي
فقلت: تبا له إذ سب ما نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن سبه، و لو قال:
زارت مكفّارة الذّنوب لصبّها* * * أهلا بها من زائر و مودّع
قالت و قد عزمت على ترحالها* * * ما ذا تريد فقلت: ألّا تقلعي
لكان أولى به، و لأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعا. و قد روي في أثر لا أعرف حاله «حمّى يوم كفّارة سنة». و فيه قولان، أحدهما: أن الحمّى تدخل في
[١] أخرجه مسلم في الأدب عن جابر بن عبد اللّه قال: قال دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أم السائب فقال: مالك تزقزقين؟ «ترتعدين» قالت: الحمى لا بارك اللّه فيها فقال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكبير خبث الحديد و الحديث المذكور في الكتاب أخرجه ابن ماجه و في سنده موسى بن عبيدة و هو ضعيف. و «الكير» هو منفاخ من زق أو جلد غليظ ذو حافات: و الكلام على التشبيه.