الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٤٦ - حرف السين
و السمك البحري فاضل، محمود، لطيف، و الطري منه بارد رطب، عسر الانهضام، يولّد بلغما كثيرا، إلا البحري و ما جرى مجراه، فإنه يولد خلطا محمودا، و هو يخصب البدن، و يزيد في المني، و يصلح الأمزجة الحارة.
و أما المالح، فأجوده ما كان قريب العهد بالتملّح، و هو حار يابس، و كلما تقادم عهده ازداد حرّه و يبسه، و السّلور منه كثير اللزوجة، و يسمى الجرّيّ، و اليهود لا تأكله. و إذا أكل طريا، كان ملينا للبطن، و إذا ملّح و عتق و أكل، صفّى قصبة الرئة، و جوّد الصوت، و إذا دقّ و وضع من خارج، أخرج السّلى و الفضول من عمق البدن من طريق أن له قوة جاذبة.
و ماء ملح الجرّيّ المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلة، وافقة بجذبه المواد إلى ظاهر البدن، و إذا احتقن به، أبرأ من عرق النّسا.
و أجود ما في السمك ما قرب من مؤخرها، و الطريّ السمين منه يخصب البدن لحمه و ودكه. و في «الصحيحين»: من حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: بعثنا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) في ثلاثمائة راكب، و أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتينا الساحل، فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبط، فألقى لنا البحر حوتا يقال لها: عنبر، فأكلنا منه نصف شهر، و ائتدمنا بودكه حتى ثابت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، و حمل رجلا على بعيره، و نصبه، فمر تحته [١].
سلق: روى الترمذي و أبو داود، عن أمّ المنذر، قالت: دخل عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه علي رضي اللّه عنه، و لنا دوال معلّقة، قالت: فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأكل و عليّ معه يأكل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «مه يا عليّ فإنّك ناقه»، قالت:
فجعلت لهم سلقا و شعيرا، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «يا عليّ فأصب من هذا، فإنه أوفق لك». قال الترمذي: حديث حسن غريب.
[١] أخرجه البخاري و مسلم في الصيد و الذبائح.