الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧٨ - ٤٤٣- تفضيل الديك على الطاوس
أنّه يقسّط أصواته المعروفة بالعدد عليها، كما يقسطها و الليل تسع ساعات، ثمّ يصنع فيما بين ذلك من القسمة و إعطاء الحصص على حساب ذلك. فليعلم الحكماء أنّه فوق الأسطرلاب، و فوق مقدار الجزر و المدّ على منازل القمر، و حتّى كأنّ طبعه فلك على حدة. فجمع المعرفة العجيبة و الرّعاية العجيبة.
و ربّ معرفة تكون نبيلة و أخرى لا تكون في طريق النّبالة. و إن كانت المعارف كلّها مفصّلة مقدّرة، إلاّ أنّها في منازل و مراتب. و ليس في الأرض معرفة بدقيق و لا جليل و هي في نفسها شريفة كريمة.
و المعرفة كلّها بصر، و الجهل كله عمى، و العمى كلّه شين و نقص، و الاستبانة كلّها خير و فصل.
ثمّ له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه.
و من ذلك بعد صوته، و أنّه يدلّ على أنّ موضعه مأهول مأنوس، و لذلك قالوا:
لا يكون البنيان قرية حتّى يصقع فيها ديك.
و ليس في الأرض طائر أملح ملحا من فرّوج، و ليس ذلك الاسم إلاّ لولد الديك، و إلاّ فكلّ شيء يخرج من البيض فإنّما هو فرخ و الفرّوج حين تنصدع عنه البيضة، يخرج كاسبا عارفا بموضع لقط الحب و سدّ الخلّة، و هو أصيد للذّباب من السّودانيّ [١] ، و يدرج مع الولادة بلا فصل.
و هذا مع ما أعطى من محبّة النساء، و رحمة الرجال، و حسن الرّأي من جميع الدار، ثم اتّباعه لمن دعاه، و إلفه لمن قرّبه. ثمّ ملاحة صوته و حسن قدّه، ثمّ الذي فيه ممّا يصحّ له الفروج و يتفرّج فيه.
٤٤٣-[تفضيل الديك على الطاوس]
و كان جعفر بن سعيد، يزعم أنّ الدّيك أحمد من الطاوس، و أنّه مع جماله و انتصابه و اعتداله و تقلّعه إذا مشى، سليم من مقابح الطاوس و من موقه و قبح صورته، و من تشاؤم أهل الدار به و من قبح رجليه، و نذالة مرآته. و زعم أنّه لو ملك طاوسا لألبس رجليه خفّا.
و كان يقول: و إنّما يفخر له بالتّلاوين، و بتلك التعاريج التي لألوان ريشه. و ربّما
[١] السوداني: طائر من فصيلة الزرازير.