الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥٢ - ٣٩٦- الاستطاعة قبل الفعل
ثمّ أعاد ذكر الكلب، و نبّأ عن حاله، بأن قال عزّ و جلّ: إِذْ يَتَنََازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقََالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيََاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قََالَ اَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلىََ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. `سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ. فَلاََ تُمََارِ فِيهِمْ إِلاََّ مِرََاءً ظََاهِراً وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [١] و في قولهم في الآية ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [٢] دليل على أنّ الكلب رفيع الحال، نبيه الذكر، إذ جعل رابعهم، و عطف ذكره على ذكرهم، و اشتقّ ذكره من أصل ذكرهم، حتّى كأنّه واحد منهم، و من أكفائهم أو أشباههم أو ممّا يقاربهم. و لو لا ذلك لقال: سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم. و بين قول القائل معهم كلب لهم، و بين قوله رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [٣]
-فرق بيّن و طريق واضح.
فإن قلتم: هذا كلام لم يحكه اللّه تعالى عن نفسه، و إنّما حكاه عن غيره، و حيث يقول: ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ [٤] و قد صدقتم، و الصّفة على ما ذكرتم؛ لأنّ الكلام لو كان منكرا لأنكره اللّه تعالى، و لو كان معيبا لعابه اللّه، فإذ حكاه و لم يعبه، و جعله قرآنا و عظّمه بذلك المعنى، ممّا لا ينكر في العقل و لا في اللغة، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثله؛ إذ كان اللّه عزّ و جلّ المنزل له.
٣٩٦-[الاستطاعة قبل الفعل]
و مثل ذلك مثّل بعض المخالفين في القدر، فإنّه سأل بعض أصحابنا فقال: هل تعرف في كتاب اللّه تعالى أنّه يخبر عن الاستطاعة، أنّها قبل الفعل؟قال: نعم، أتى كثير، من ذلك قوله تعالى قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [٥] . قال المخالف: سألتك أن تخبرني عن اللّه، فأخبرتني عن عفريت لو كان بين يديّ لبزقت في وجهه!قال صاحبنا: أمّا سليمان النبيّ، صلى اللّه عليه و سلم، فقد ترك النّكير عليه، و لو كان مثل هذا القول كفرا و افتراء على اللّه، و مغالبة و تفويضا للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان و من حضره من المسلمين من الجنّ و الإنس أحقّ بالإنكار، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه
[١] . ٢١-٢٢/الكهف: ١٨.
[٢] . ٢١-٢٢/الكهف: ١٨.
[٣] . ٢١-٢٢/الكهف: ١٨.
[٤] . ٢١-٢٢/الكهف: ١٨.
[٥] . ٣٩/النمل: ٢٧.