الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٧ - ٣٥١- دفاع عن الكلب
و قد حمل النّاس كما ترى على العين ما لا يجوز، و ما لا يسوغ في شيء من المجازات. و قول الذي اعورّ: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني، من أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين.
قال: و يقال إنّ فلانا لعيون: إذا كان يتشوّف للناس ليصيبهم بعين. و يقال عنت فلانا أعينه عينا: إذا أصبته بعين، و رجل معين و معيون: إذا أصيب بالعين. و قال عبّاس بن مرداس: [من الكامل]
قد كان قومك يحسبونك سيّدا # و إخال أنك سيّد معيون [١]
و يقال للعيون: إنّه لنفوس، و ما أنفسه، أي ما أشدّ عينه، و قد أصابته نفس أو عين.
٣٥١-[دفاع عن الكلب]
و أمّا قول القائل: إنّ من لؤم الكلب و غدره أنّ اللصّ إذا أراد دار أهله أطعم الكلب الذي يحرسهم قبل ذلك مرارا ليلا و نهارا، و دنا منه و مسح ظهره، حتى يثبت صورته، فإذا أتاه ليلا أسلم إليه الدار بما فيها-فإن هذا التأويل لا يكون إلاّ من نتيجة سوء الرأي، فإنّ سوء الرأي يصوّر لأهله الباطل في صورة الحقّ. و فيه بعض الظّلم للكلب و بعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب، و قد ثبت للكلب استحقاق المدح من حيث أراد أن يهجوه منه، فإن كان الكلب بفرط إلفه و شكره كفّ عن اللصّ عند ذكر إحسانه، و إثبات صورته، فما أكثر من يفرط عليه الحياء حتّى ينسب إلى الضّعف و الكرم و حتّى ينسب إلى الغفلة، و ربّما شاب الرّجل بعض الفطنة ببعض التّغافل، ليكون أتمّ لكرمه، فإنّ الفطنة إذا تمّت منعت من أمور كثيرة، ما لم يكن الخيم [٢]
كريما و العرق سليما.
و إنك أيّها المتأوّل، حين تكلّف الكلب-مع ما قد عجّل إليه اللصّ من اللّطف و الإحسان-أن يتذكّر نعمة سالفة، و أن يحترس من خديعة المحسن إليه، مخافة أن يكون يريغ [٣] بإكرامه سوءا-لحسن الرأي فيه، بعيد الغاية في تفضيله.
[١] ديوان العباس بن مرداس ١٥٦، و الخصائص ١/٢٦١، و الوحشيات ٢٣٨، و الحماسة البصرية ١/١٠، و الأغاني ٦/٣٤٢، و أمالي ابن الشجري ١/١١١، و جمهرة اللغة ٩٥٦، و اللسان (عين) ، و المقاصد النحوية ٤/٥٧٤.
[٢] الخيم: السجية و الطبيعة.
[٣] يريغ: يريد.