الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٧ - ٣١٧- إعجاب المرء بنفسه
الأمم إلى أنبيائهم، فقال: تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [١] و قال: أَ تَوََاصَوْا بِهِ [٢] ثم قال:
وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا [٣] . و مثل هذا كثير، أ لا ترى أنّك لا تجد بدّا في كلّ بلدة و في كلّ عصر للحاكة من أن يكونوا على مقدار واحد وجهة واحدة، من السّخط و الحمق، و الغباوة و الظلم، و كذلك النخّاسون [٤] على طبقاتهم. من أصناف ما يبيعون. و كذلك السماكون و القلاّسون [٥] و كذلك أصحاب الخلقان [٦] كلّهم، في كلّ دهر و في كلّ بلد، على مثال واحد، و على جهة واحدة.
و كلّ حجّام في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، و إن اختلفوا في البلدان و الأجناس و الأسنان.
و لا ترى مسجونا و لا مضروبا عند السّلطان إلاّ و هو يقول: إنّي مظلوم، و لذلك قال الشاعر: [من البسيط]
لم يخلق اللّه مسجونا تسائله # ما بال سجنك إلاّ قال مظلوم [٧]
و ليس في الأرض خصمان يتنازعان إلى حاكم، إلاّ كلّ واحد منهما يدّعي عدم الإنصاف و الظّلم على صاحبه.
٣١٧-[إعجاب المرء بنفسه]
و ليس في الأرض إنسان إلاّ و هو يطرب من صوت نفسه، و يعتريه الغلط في شعره و في ولده. إلاّ أنّ الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم الغرق [٨]
المغمور، و منهم من قد نال من الصواب و نال من الخطأ، و منهم من يكون خطؤه مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف. و لذلك احتاج العاقل في العجب بولده، و في استحسان كتبه و شعره، من التحفظ و التوقّي، و من إعادة النظر و التّهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك.
[١] . ١١٨/البقرة: ٢.
[٢] . ٥٣/الذاريات: ٥١.
[٣] . ٦٩/التوبة: ٩.
[٤] النخّاس: بياع الرقيق.
[٥] القلاّس: الضارب بالدف.
[٦] أصحاب الخلقان: الذين يبيعون الثياب البالية.
[٧] البيت بلا نسبة في البيان و التبيين ٣/١٦٩، و عيون الأخبار ١/٧٩، ٢/١١٦.
[٨] الغرق: الغريق.