الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٦ - ٣١٦- تشابه طبائع العامّة في كلّ دهر
عليه الصّدقة. و كم من حاذق بصناعته، و كثير الجولان في تجارته، و قد بلغ فرغانة [١]
مرّة، و الأندلس مرة، و نقّب في البلاد، و ربع في الآفاق [٢] ، و من حاذق يشاور و لا يستعمل، ثمّ لا تجدهما يستبينان، من سوء الحال و كثرة الدّين. و من صاحب حرب منكوب، و هو اللّيث على براثنه، مع تمام العزيمة و شدّة الشّكيمة، و نفاذ البصيرة، و مع المعرفة بالمكيدة و الصّبر الدّائم على الشدّة.
و بعد؛ فكم من بيت شعر قد سار، و أجود منه مقيم في بطون الدّفاتر، لا تزيده الأيّام إلاّ خمولا، كما لا تزيد الذي دونه إلاّ شهرة و رفعة. و كم من مثل قد طار به الحظّ حتّى عرفته الإماء، و رواه الصّبيان و النّساء.
و كذلك حظوظ الفرسان. و قد عرفت شهرة عنترة في العامّة. و نباهة عمرو بن معد يكرب، و ضرب الناس المثل بعبيد اللّه بن الحرّ، و هم لا يعرفون، بل لم يسمعوا قطّ بعتيبة بن الحارث بن شهاب، و لا ببسطام بن قيس، و كان عامر بن الطفيل أذكر منهما نسبا.
و يذكرون عبيد اللّه بن الحرّ، و لا يعرفون شعبة بن ظهير و لا زهير بن ذؤيب، و لا عبّاد بن الحصين. و يذكرون اللسن و البيان و الخطيب ابن القرّيّة و لا يعرفون سحبان وائل.
و العامّة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلاّ من قبل الخاصّة، و الخاصّة لم تذكر هؤلاء دون أولئك، فتركت تحصيل الأمور و الموازنة بين الرجال و حكمت بالسّابق إلى القلب، على قدر طباع القلب و هيئته، ثمّ استوت علل العامّة في ذلك و تشابهت.
و العامّة و الباعة و الأغنياء و السّفلة كأنّهم أعذار عام واحد. و هم في باطنهم أشدّ تشابها من التوأمين في ظاهرهما، و كذلك هم في مقادير العقول و في الاعتراض و التسرّع، و إن اختلفت الصّور و النّغم [٣] ، و الأسنان و البلدان.
٣١٦-[تشابه طبائع العامّة في كلّ دهر]
و ذكر اللّه عزّ و جلّ ردّ قريش و مشركي العرب على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قوله، فذكر ألفاظهم، و جهد معانيهم، و مقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون من جميع
[١] فرغانة: مدينة و كورة واسعة متاخمة لبلاد تركستان، على يمين القاصد لبلاد الترك، و قيل: فرغانة؛ قرية من قرى فارس.
[٢] ربع في الآفاق: أقام في مواضع كثيرة.
[٣] أراد بالنغم: اللغات و اللهجات.