الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧٣ - ٤٤٠- خصال الديك
تباب، و يجيء سعد بعدد الحصى، و يسيل عليك الرّجال من هاهنا و هاهنا!!و لئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود في بني تميم!!فلما رأى أنّه لا يجيبه أخذه باللّين و قال:
اخرج يا بنيّ و أنت مستور، إنّي و الله ما أراك تعرفني، و لو عرفتني لقد قنعت بقولي و اطمأننت إليّ، أنا عروة بن مرثد أبو الأعزّ المرثديّ، و أنا خال القوم و جلدة ما بين أعينهم لا يعصونني في أمر، و أنا لك بالذّمة كفيل خفير، أصيّرك بين شحمة أذني و عاتقي لا تضارّ، فاخرج فأنت في ذمّتي، و إلا فإنّ عندي قوصرّتين [١] إحداهما إلى ابن أختي البارّ الوصول. فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله تعالى و رسوله صلى اللّه عليه و سلم.
و كان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، و إذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهافت الأعرابيّ، أي تساقط [٢] ، ثمّ قال: يا ألأم الناس و أوضعهم، أ لا يأني لك أنّا منذ الليلة في واد و أنت في آخر، إذا قلت لك السّوداء و البيضاء تسكت و تطرق، فإذا سكتّ عنك تريغ المخرج؟!و الله لتخرجنّ بالعفو عنك أو لألجنّ عليك البيت بالعقوبة! فلما طال وقوفه جاءت جارية من إماء الحيّ فقالت: أعرابيّ مجنون!!و الله ما أرى في البيت شيئا!!و دفعت الباب فخرج الكلب شدّا، و حاد عنه أبو الأعزّ مستلقيا، و قال:
الحمد لله الذي مسخك كلبا، و كفاني منك حربا!!ثم قال: تالله ما رأيت كاللّيلة، ما أراه إلاّ كلبا!!أما و الله لو علمت بحاله لو لجت عليه.
٤٤٠-[خصال الديك]
قال صاحب الديك: في الدّيك الشّجاعة، و في الديك الصّبر عند اللّقاء، و هم لا يجدون الصّبر تحت السّياط و العصا، إلاّ أن يكون ذلك موصولا بالصّبر في الحرب على وقع السّلاح.
و في الدّيك الجولان، و هو ضرب من الرّوغان، و جنس من تدبير الحرب، و فيه الثّقافة و التسديد [٣] ؛ و ذلك أنّه يقدّر إيقاع صيصيته [٤] بعين الديك الآخر و يتقرّب إلى المذبح فلا يخطئ.
و هم يتعجّبون من الجزّار، و يضربون به المثل إذ كان لا يخطئ اللّبّة، و من اللحّام إذا كان لا يخطئ المفصل، و لذلك قالوا في المثل: «يطبّق المحزّ و لا يخطئ
[١] القوصرة: وعاء للتمر.
[٢] تساقط: تخاذل.
[٣] الثقافة: الحذق. التسديد: صدق الإصابة.
[٤] الصيصة: شوكة في رجل الديك.