الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٩ - ٣٢١- تأويل قوله تعالى و يخلق ما لا تعلمون
٣٢٠-[دلالة الخلق على الخالق]
فليس لقدر الكلب و الدّيك في أنفسهما و أثمانهما و مناظرهما و محلّهما من صدور العامّة أسلفنا هذا الكلام، و ابتدأنا بهذا القول. و لسنا نقف على أثمانهما من الفضّة و الذّهب، و لا إلى أقدارهما عند الناس. و إنما نتنظّر [١] فيما وضع اللّه عزّ و جلّ فيهما من الدّلالة عليه، و على إتقان صنعه، و على عجيب تدبيره، و على لطيف حكمته، و فيما استخزنهما [٢] من عجائب المعارف، و أودعهما من غوامض الأحساس [٣] ، و سخّر لهما من عظام المنافع و المرافق، و دلّ بهما على أنّ الذي ألبسهما ذلك التّدبير، و أودعهما تلك الحكم، يجبّ أن يفكّر فيهما؛ و يعتبر بهما، و يسبّح اللّه عزّ و جلّ عندهما. فغشّى ظاهرهما بالبرهان، و عمّ باطنهما بالحكم، و هيّج على النظر فيهما و الاعتبار بهما؛ ليعلم كلّ ذي عقل أنّه لم يخلق الخلق سدى؛ و لم يترك الصّور هملا؛ و ليعلموا أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يدع شيئا غفلا [٤] غير موسوم، و نثرا غير منظوم، و سدى غير محفوظ؛ و أنّه لا يخطئه من عجيب تقديره، و لا يعطله من حلي تدبيره، و لا من زينة الحكم و جلال قدرة البرهان.
ثمّ عمّ ذلك بين الصّؤابة [٥] و الفراشة، إلى الأفلاك السبعة و ما دونها من الأقاليم السبعة.
٣٢١-[تأويل قوله تعالى: و يخلق ما لا تعلمون]
و قد قال تعالى: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [٦] . و قد يتّجه هذا الكلام في وجوه:
أحدها أن تكون هاهنا ضروب من الخلق لا يعلم بمكانهم كثير من الناس، و لا بدّ أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه، أو يعلمه صفوة جنود اللّه و ملائكته، أو تعرفه الأنبياء، أو يعرفه بعض الناس، لا يجوز إلاّ ذلك. أو يكون اللّه عزّ و جلّ إنما عنى أنّه خلق أسبابا، و وهب عللا، و جعل ذلك رفدا لما يظهر لنا و نظاما.
و كان بعض المفسّرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ
[١] التنظر: التأمل و إطالة التفكير.
[٢] استخزن: استودع.
[٣] الأحساس: جمع حس.
[٤] الغفل: ما ليس به سمة تميزه.
[٥] الصؤابة: بيضة القملة.
[٦] . ٨/النحل: ١٦.