الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤١٨ - ٤٩٠- التعاير بأكل لحم الغراب
بالضّعف و اللّؤم و الآخر: [كلّ غراب يتشاءم به. و] [١] إنّما لزمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدّار للنّجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس و يتقمّم، فيتشاءمون به و يتطيّرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلاّ إذا بانوا، فسمّوه غراب البين. ثمّ كرهوا إطلاق ذلك الاسم له مخافة الزّجر و الطّيرة، و علموا أنّه نافذ البصر صافي العين-حتى قالوا: «أصفى من عين الغراب» [٢] . كما قالوا: «أصفى من عين الدّيك» [٣] -فسمّوه الأعور كناية، كما كنوا طيرة عن الأعمى فكنوه أبا بصير. و بها اكتنى الأعشى بعد أن عمي. و لذلك سمّوا الملدوغ و المنهوش سليما، و قالوا للمهالك من الفيافي:
المفاوز. و هذا كثير.
و الغدقان [٤] جنس من الغربان، و هي لئام جدّا.
٤٨٩-[التشاؤم بالغراب]
و من أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة، و الاغتراب، و الغريب.
و ليس في الأرض بارح و لا نطيح [٥] ، و لا قعيد، و لا أعضب [٦] و لا شيء مما يتشاءمون به إلاّ و الغراب عندهم أنكد منه، يرون أنه صياحه أكثر أخبارا، و أنّ الزّجر فيه أعمّ. و قال عنترة: [من الكامل]
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه # جلمان، بالأخبار هشّ مولع [٧]
٤٩٠-[التعاير بأكل لحم الغراب]
و هو عندهم عار، و هم يتعايرون بأكل لحمه. و لو كان ذلك منهم لأنّه يأكل
[١] الزيادة من ثمار القلوب (٦٧٠) .
[٢] مجمع الأمثال ١/٤١٧، و المستقصى ١/٢١٠، و جمهرة الأمثال ١/٥٦٧، و الدرة الفاخرة ١/٢٦٣.
[٣] مجمع الأمثال ١/٤١٧، و المستقصى ١/٢١٠، و جمهرة الأمثال ١/٥٦٧، و الدرة الفاخرة ١/٢٦٣.
[٤] غدفان: جمع غداف، و هو الغراب الضخم، أو غراب صغير أسود؛ لونه كلون الرماد. حياة الحيوان ٢/١٠١.
[٥] البارح: ما مر من الطير من ميامنك إلى مياسرك. «القاموس: برح» ، النطيح: ما يأتي إليك من أمامك من الطير. «القاموس: نطح» .
[٦] القعيد: ما أتى إليك من ورائك من ظبي، أو طائر. «القاموس: قعد» . الأعضب: المكسور القرن.
«القاموس: عضب» .
[٧] ديوان عنترة ٤٨ (دار صادر) و اللسان (حرق، بين) ، و التاج (بين) ، و أساس البلاغة (حرق) ، و بلا نسبة في الجمهرة ٥١٩، و المخصص ١/٧٣.