الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٧ - كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان بحمد اللّه تعالى و حسن عونه و يتلوه في الثالث إن شاء اللّه ذكر الحمام
تروّ و تسكين يكون دريئة # لهنّ بذي الأسراب في كلّ لاحب [١]
تضاءل حتّى لا تكاد تبينها # عيون لدى الصّرات غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث جريها # ضراء مبلاّت بطول التّجارب [٢]
توسّد أجياد الفرائس أذرعا # مرمّلة تحكى عناق الحبائب [٣]
٥٥٦-[سهل بن هارون و ديكه]
قال دعبل الشاعر [٤] : أقمنا عند سهل بن هارون فلم نبرح، حتّى كدنا نموت من الجوع، فلما اضطررناه قال: يا غلام، ويلك غدّنا!قال: فأتينا بقصعة فيها مرق فيه لحم[ديك عاس] [٥] هرم ليس قبلها و لا بعدها غيرها لا تحزّ فيه السكين، و لا تؤثّر فيه الأضراس. فاطّلع في القصعة و قلّب بصره فيها، ثمّ أخذ قطعة خبز يابس فقلّب جميع ما في القصعة حتّى فقد الرأس من الدّيك وحده، [فبقي مطرقا ساعة] [٦] ثمّ رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرّأس؟فقال: رميت به. قال: و لم رميت به؟قال: لم أظنّك تأكله!قال: و لأيّ شيء ظننت أنّي لا آكله؟فو اللّه إنّي لأمقت من يرمي برجليه [فكيف من يرمي برأسه] [٧] ؟!ثم قال له: لو لم أكره ما صنعت إلاّ للطّيرة و الفأل، لكرهته!الرأس رئيس و فيه الحواسّ، و منه يصدح الديك، و لو لا صوته ما أريد؛ و فيه فرقه الذي يتبرّك به، و عينه التي يضرب بها المثل، يقال: «شراب كعين الديك» [٨] ، و دماغه عجيب لوجع الكلية، و لم أر عظما قطّ أهشّ تحت الأسنان من عظم رأسه، فهلاّ إذ ظننت أنّي لا آكله، ظننت أنّ العيال يأكلونه؟!و إن كان بلغ من نبلك أنّك لا تأكله، فإنّ عندنا من يأكله. أ و ما علمت أنّه خير من طرف الجناح، و من السّاق و العنق!انظر أين هو؟قال: و اللّه ما أدري أين رميت به!قال: لكنّي أدري أنّك رميت به في بطنك، و اللّه حسيبك!
كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان بحمد اللّه تعالى و حسن عونه و يتلوه في الثالث إن شاء اللّه ذكر الحمام
[١] الدريئة: ما تتستر به من الصيد لتختله. الأسراب: جمع سرب، و هو الطريق. اللاحب: الطريق الواضح.
[٢] ضراء: معتادة الصيد. المبل: الثبت الجريء. يقول: إن سرعة البرق لا تداني أبطأ جرية لهذه الفهود.
[٣] المرملة: الملطخة بالدم. تحكي عناق الحبائب: تحكي صنع المحب يعانق حبيبه.
[٤] الخبر في عيون الأخبار ٣/٢٥٩ نقلا عن الجاحظ.
[٥] زيادة من عيون الأخبار ٣/٢٥٩.
[٦] زيادة من عيون الأخبار ٣/٢٥٩.
[٧] زيادة من عيون الأخبار ٣/٢٥٩.
[٨] انظر ما تقدم في الفقرة (٥٣٠) .