الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥٣ - ٣٩٧- دفاع عن الكلب
و يذكر الطاعة، و لا يتقرّب فيه بذكر سرعة النفوذ، و يبشر فيه بأنّ معه من القوّة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته، فيكذب ثمّ لا يرضى بالكذب حتّى يقول قولا مستنكرا، و يدّعي قوّة لا تجعل له، ثمّ يستقبل بالافتراء على اللّه تعالى و الاستبداد عليه، و الاستغناء عنه-نبيّا قد ملك الجنّ و الإنس و الرّياح و الطير، و تسيير الجبال، و نطق كلّ شيء، ثمّ لا يزجره فضلا عن أن يضربه، و يسجنه فضلا عن أن يقتله.
و بعد، فإن اللّه تبارك و تعالى لم يجعل ذلك القول قرآنا، و يترك التنبيه على ما فيه من العيب، إلا و القول كان صدقا مقبولا. و بعد، فإن هذا القول قد سمعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و تلاه على الناس، و ما زالوا يتلونه في مجالسهم و محاريبهم، أ فما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك، أو يغضب للّه تعالى غضبك؟!.
٣٩٧-[دفاع عن الكلب]
قال صاحب الكلب: لو اعترضت جميع أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض، أن تصيب أهل خيمة واحدة، ليس عندهم كلب واحد فما فوق الواحد لما وجدته. و كذلك كانوا في الجاهليّة، و على ذلك هم في الإسلام. فمن رجع بالتخطئة على جميع طوائف الأمم، و التأنيب و الاعتراض على جميع اختيارات الناس، فليتّهم رأيه؛ فإنّ رأي الفرد و لا سيّما الحسود، لا يفي برأي واحد، و لا يرى الاستشارة حظا و كيف بأن يفي بجميع أهل البدو من العرب و العجم. و الدليل على أنّ البدو قد يكون في اللّغة لهما جميعا قول اللّه عزّ و جلّ: وَ جََاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطََانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي [١] و لو ابتلي صاحب هذا القول بأن ينزل البادية، لتحوّل رأيه، و استبدل به رأي من قد جرّب تقريب الكلب و إبعاده. و قد قال أبو عبّاد النميري: لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيه كلب، و يزقو فيه ديك.
و لمّا قال أحمد بن الخاركي: لا تصير القرية قرية حتّى يصير فيها حائك و معلّم، قال أبو عبّاد: يا مجنون إذا صارت إلى هذا فقد صارت مدينة.
و للكلب إثباته وجه صاحبه، و نظره في عينيه و في وجهه، و حبّه له، و دنوّه منه، حتّى ربّما لاعبه و لاعب صبيانه بالعضّ الذي لا يؤثّر و لا يوجع، و هي الأضراس التي لو نشّبها في الصخر لنشبت، و الأنياب التي لو أنحى بها على الحصى لرضّها.
[١] . ١٠٠/يوسف: ١٢.