الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢١ - ٣٤٦- إصابة العين
و هم يرونه، و ربّما لم يرض بذلك حتّى يعود في قيئه. و هذا كله مما لا ينبغي أن يحضره الرئيس، و يشهده ربّ الدار. و هو على الحاشية أجوز.
٣٤٥-[الأكل بين أيدي السباع]
فأمّا علماء الفرس و الهند، و أطبّاء اليونانيّين و دهاة العرب، و أهل التّجربة من نازلة الأمصار و حذّاق المتكلّمين، فإنهم يكرهون الأكل بين أيدي السّباع، يخافون نفوسها و أعينها، للّذي فيها من الشّره و الحرص، و الطّلب و الكلب، و لما يتحلّل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، و ينفصل من عيونها من الأمور المفسدة، التي إذا خالطت طباع الإنسان نقضته.
و قد روي مثل ذلك عن الثّوري عن سماك بن حرب عن ابن عبّاس أنّه قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ، و إنّ الحنّ من ضعفة الجنّ، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليه شيئا و اطردوها، فإنّ لها أنفس سوء [١] .
و لذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذابّ و الأشربة على رءوسهم و هم يأكلون؛ مخافة النفس و العين. و كانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، و كانوا يقولون في السّنّور و الكلب: إمّا أن تطرده قبل أن تأكل و إمّا أن تشغله بشيء يأكله، و لو بعظم.
و رأيت بعض الحكماء و قد سقطت من يده لقمة فرفع رأسه، فإذا عين غلام له تحدّق نحو لقمته، و إذا الغلام يزدرد ريقه لتحلّب فمه من الشّهوة. و كان ذلك الحكيم جيّد اللّقم، طيّب الطعام، و يضيّق على غلمانه. فيزعمون أنّ نفوس السّباع و أعينها في هذا الباب أردأ و أخبث.
٣٤٦-[إصابة العين]
و بين هذا المعنى و بين قولهم في إصابة العين الشيء العجيب المستحسن شركة و قرابة؛ و ذلك أنّهم قالوا: قد رأينا رجالا ينسب ذلك إليهم، و رأيناهم، و فيهم من إصابة العين مقدار من العدد، لا نستطيع أن نجعل ذلك النّسق من باب الاتّفاق. و ليس إلى ردّ الخبر سبيل؛ لتواتره و ترادفه، و لأنّ العيان قد حقّقه، و التجربة قد ضمّت إليه.
و في الحديث المأثور في العين التي أصابت سهل بن حنيف فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في ذلك بالذي أمر، و ذلك مشهور [٢] .
[١] الحديث في النهاية ١/٤٥٣. أي أنها تصيب بأعينها.
[٢] أخرج البخاري في الطب برقم ٥٤٠٨، و مسلم في السلام برقم ٢١٨٧ (العين حق) ، و انظر المستدرك للحاكم ٣/٤١٠، ٤/٢١٥، و الموطأ ٣/١١٨.