الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٣٠ - ٥١٥- استطراد لغوي
٥١٤-[شرط أبي عباد النمري في الخمر]
و لما أنشدوا أبا عبّاد النّمريّ قول ابن ميّادة، و هو الرّمّاح [١] : [من الكامل]
و لقد غدوت على الفتى في رحله # قبل الصّباح بمترع نشّاج [٢]
جاد القلال له بدرّ صبابة # حمراء مثل سخينة الأوداج [٣]
حبست ثلاثة أحرس في دارة # قوراء بين جوازل و دجاج [٤]
تدع الغويّ كأنّه في نفسه # ملك يعصّب رأسه بالتّاج
و يظلّ يحسب كلّ شيء حوله # نجب العراق نزلن بالأحداج [٥]
فحين سمعه أبو عبّاد يقول:
حبست ثلاثة أحرس في دارة # قوراء بين جوازل و دجاج
قال: لو وجدت خمرا زيتيّة ذهبية، أصفى من عين الديك، و عين الغراب، و لعاب الجندب و ماء المفاصل، و أحسن حمرة من النّار، و من نجيع [٦] غزال، و من فوّة الصّباغ-لما شربتها حتّى أعلم أنّها من عصير الأرجل، و أنّها من نبات القرى، و ما لم تكدر في الزّقاق، و أنّ العنكبوت قد نسجت عليها، و أنّها لم تصر كذلك إلاّ وسط دسكرة، و في قرية سواديّة و حولها دجاج و فراريج. و إن لم تكن رقطاء أو فيها رقط فإنّها لم تتمّ كما أريد. و أعجب من هذا أنّي لا أنتفع بشربها حتّى يكون بائعها على غير الإسلام. و يكون شيخا لا يفصح بالعربيّة، و يكون قميصه متقطّعا بالقار.
و أعجب من هذا أنّ الذي لا بدّ منه أن يكون اسمه و إن كان مجوسيّا شهريار، و مازيار، و ما أشبه ذلك، مثل أدير، و اردان، و يازان. فإن كان يهوديا فاسمه مانشا، و أشلوما، و أشباه ذلك، و إن كان نصرانيّا فاسمه يوشع و شمعون و أشباه ذلك.
٥١٥-[استطراد لغوي]
و يقال حمس الشرّ و أحمس إذا اشتدّ. و يقال قد احتمس الدّيكان احتماسا، إذا
[١] ديوان ابن ميادة ٩٠-٩١. و منه أخذت شرح المفردات.
[٢] المترع النشاج: قدح الخمرة الذي يغلي ما فيه حتى يسمع صوته.
[٣] القلال: جمع قلة، و هي الجرة الكبيرة. الودج: عرق في جانب العنق.
[٤] الأحرس: جمع حرس؛ و هو الدهر. القوراء: الواسعة. الجوازل: الحمام، أو أصواتها.
[٥] الأحداج: جمع حدج، و هو مركب من مراكب النساء نحو الهودج.
[٦] النجيع: الدم الأسود، أو دم الجوف. «القاموس: نجع» .