الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٢٥ - ٥٠٢- أشد تعطفا من عصفور
مليحا، كيسا بصيرا بما يعيشه و يقوته، و لا يحتاج إلى تلقيم سباع الطير و العصافير لأولادها، لأنّ أولادها إذ لم ترضع و لم تلقط الحبّ كالفراريج أوّل ما تخرج من البيض و لم تزقّها الآباء و لا الأمهات كأجناس الحمام-فلا بدّ لها من تلقيم.
٥٠٠-[طبائع مشتركة في الطير]
و الفرّوج مشترك الطبيعة. قد أخذ من طبائع الجوارح نصيبا، و هو أكله للحم، و حسوه للدّم، و أكله للديدان و ما هو أقذر من الذّباب، و العصفور أيضا مشارك الطّباع، لأنّه يجمع بين أكل الحبوب و اللّحمان، و بين لقط الحبوب و صيد أجناس كثيرة من الحيوان، كالنمل إذا طار. و كالجراد، و غير ذلك. و ليس في الأرض رأس أشبه برأس الحيّة من العصفور [١] .
٥٠١-[هداية العصفور]
و العصفور يتعالى و يطير، و يهتدي و يستجيب. و لقد بلغني أنّه قد رجع من قريب من فرسخ. و هي تكون عندنا بالبصرة في الدّور، فإذا أمكنت الثمار [٢] لم تجد منها إلاّ اليسير، فتصير من القواطع إلى قاصي النّخل، و ذلك أنّها إذا مرّت بعصافير القرى و قد سبقت إلى ما هو إليها أقرب، جاوزتها إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة المقدار، في المسافة إلى أكثر مما ذكرت من الفرسخ أضعافا.
٥٠٢-[أشد تعطفا من عصفور]
و العصافير لا تقيم في دور الأمصار إذا شخص أهلها عنها، إلاّ ما كان منها مقيما على بيض أو فراخ، فإنّه ليس في الأرض طائر أحنى على ولده و لا أشدّ تعطفا من عصفور. و الذي يدلّ على أنّ في طبعها من ذلك ما ليس في طبع سواها من الطّير الذي تجد من إسعاد بعضهنّ لبعض، إذا دخلت الحيّة إلى جحر بعضهن لتأكل فرخا، أو تبتلع بيضا، فإنّ لأبوي الفرخ عند ذلك صياحا و قلقا و طيرانا، و تدفيفا و ترنيقا [٣]
فوق الجحر و دونه و حواليه، فلا يبقى عصفور من حيث يسمع صياحهما أو يسمع أصواتهما إلاّ جئن أرسالا مسعدات، يصنعن معهما كما يصنعان.
[١] ربيع الأبرار ٥/٥٥٤.
[٢] أمكنت الثمار: نضجت و أمكن أكلها.
[٣] دفّ الطائر: حرك جناحيه. رنّق الطائر: خفق بجناحيه و رفرف و لم يطر. «القاموس: دف، رنق» .