الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٨ - ٣٦٦- الكلاب السلوقية أجود شمّا
كالبرذون و البرذون، و البعير و البعير، و الحمار و الحمار، و كذلك جميع الأجناس، فأمّا الذي يفرط و يتمّ ذلك فيه، و يتمنّع ناس من النّاس، و يقع فيه القمار، و يتّخذ لذلك، و ينفق عليه، و يغالى به، فالكلب و الكلب، و الكبش و الكبش، و الدّيك و الدّيك، و السّمانى و السّمانى [١] .
فأمّا الجرذ فإنّه لا يقاتل الجرذ حتّى يشدّ رجل أحدهما في طرف خيط، و يشدّ الجرذ الآخر بالطرف الآخر، و يكون بينهما من السماوات و الالتقاء، و العضّ و الخمش، و إراقة الدّم و فري الجلود، ما لا يكون بين شيئين من الأنواع التي يهارش بها.
و الذي يحدث للجرذان طبيعة القتال، الرّباط نفسه، فإن انقطع الخيط و انحلّ العقد، أخذ هذا شرقا و هذا غربا، و لم يلتقيا أبدا.
و إذا تقابلت جحرة [٢] الفأر، و خلالها الموضع، فبينها شرّ طويل، و لكنه لا يعدو الوعيد و الصخب، و لا يلتقي منهما اثنان أبدا...
و حدّثني ثمامة بن أشرس قال: كان بقي في الحبس جحر فأر، و تلقاءه جحر آخر، فيرى لكلّ واحد منهما وعيدا و صياحا و وثوبا، حتّى يظنّ أنّهما سيلتقيان ثم لا يحتجزان حتّى يقتل كلّ واحد منهما صاحبه. فبينا كلّ واحد منهما في غاية الوعيد. إذ مرّ هاربا حتّى دخل جحره، فما زالا كذلك، حتّى أتى اللّه تعالى بالفرج و خلّي سبيلي.
٣٦٦-[الكلاب السلوقية أجود شمّا]
و زعم أنّ السّلوقيّة الطويلة المناخر أجود شمّا، و الشمّ العجيب و الحسّ اللطيف من ذلك، إلاّ أنّ ذلك في طلب الذكور للإناث و الإناث للذّكور خاصة. و أمّا شمّ المأكول، و استرواح الطّعم، فللسّباع في ذلك ما ليس لغيرها. و إنّ الفأر ليشمّ، و إنّ الذّر و النمل ليشمّ، و إنّ السنانير لتشمّ، و كذلك الكلب، و له في ذلك فضيلة، و لا يبلغ ما يبلغ الذئب و قال أعرابيّ: [من الرجز]
كان أبو الصّحيم من أربابها # صبّ عليه اللّه من ذئابها
أطلس لا ينحاش من كلابها # يلتهم الطائر في ذهابها
في الجرية الأولى فلا مشى بها
أ لا تراه يجتهد في الدّعاء عليها بذئب لا ينحاش من الكلاب.
[١] السمانى: على وزن الحبارى: طائر يلبد بالأرض و لا يكاد يطير إلا أن يطار، و يسمى قتيل الرعد؛ من أجل أنه إذا سمع الرعد مات. حياة الحيوان ١/٥٦٣.
[٢] الجحرة: جمع جحر.