الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧٩ - ٤٤٣- تفضيل الديك على الطاوس
رأيت الدّيك النّبطيّ و فيه شبيه بذلك. إلاّ إنّ الدّيك أجمل من التّدرج [١] ؛ لمكان الاعتدال و الانتصاب و الإشراف، و أسلم من العيوب من الطاوس.
و كان يقول: و لو كان الطاوس أحسن من الدّيك النّبطي في تلاوين ريشه فقط لكان فضل الديك عليه بفضل القدّ و الخرط، و بفضل حسن الانتصاب و جودة الإشراف أكثر من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك، و لكان السليم من العيوب في العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاوس في عين الناظر إليه. و أوّل منازل الحمد السلامة من الذّمّ.
و كان يزعم أنّ قول الناس فلان أحسن من الطاوس، و ما فلان إلاّ طاوس، و أنّ قول الشاعر: [من الرجز]
جلودها مثل طواويس الذّهب [٢]
و أنّهم لمّا سمّوا جيش ابن الأشعث الطواويس لكثرة من كان يجتمع فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال، إنما قالوا ذلك لأن العامّة لا تبصر الجمال. و لفرس رائع كريم أحسن من كلّ طاوس في الأرض، و كذلك الرّجل و المرأة. و إنّما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، و لم يذهبوا إلى حسن تركيبه و تنصّبه، كحسن البازي و انتصابه، و لم يذهبوا إلى الأعضاء و الجوارح و إلى الشّيات و الهيئة، و الرأس و الوجه الذي فيه.
و كان جعفر يقول: لمّا لم يكن في الطاوس إلاّ حسنه في ألوانه، و لم يكن فيه من المحاسن ما يزاحم ذلك و يجاذبه و ينازعه و يشغل عنه، ذكر و تبيّن و ظهر.
و خصال الديك كثيرة، و هي متكافئة في الجمال. و نقول: لم يكن لعبد المطّلب في قريش نظير، و كما أنّه ليس للعرب في النّاس نظير؛ و ذلك حين لم تكن فيه خصلة أغلب من أختها، و تكاملت فيه و تساوت، و توافت إليه فكان الطّبع في وزن المعرفة، فقالوا عند ذلك: سيّد الأبطح و سيّد الوادي و سيّد قريش. و إذا قالوا سيّد قريش فقد قالوا سيّد العرب، و إذا قالوا سيّد العرب فقد قالوا سيّد الناس.
و لو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه و برع في سائر خصاله لذكروه بالحلم؛ و لذلك ذكر قيس بن زهير في الدّهاء، و الحارث بن ظالم في الوفاء، و عتيبة ابن الحارث في النّجدة و الثّقافة.
[١] التدرج: طائر حسن الصوت، موطنه بلاد فارس. حياة الحيوان ١/٢٣٠.
[٢] الرجز بلا نسبة في ثمار القلوب (٦٨٩) .