الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧٧ - ٤٤٢- مزايا الديك
ثمّ يبلغ من شدّة تعجله و من قوّته على السّفاد، و على الباب الذي يفخر به الإنسان إذا كان ذا حظّ منه و هو ممّا يذكي النّفس-كنحو ما ذكر عن التّيس المراطيّ، و كنحو ما تراهم يبركون للبختيّ الفالج عدّة قلاص [١] ، فإذا ضرب الأولى فخافوا عليها أن يحطمها و هو في ذلك قد رمى بمائه مرارا أفلته الرّجال على التي تليه في القرب، حتى يأتي على الثّلاث و الأربع على ذلك المثال. و ما دعاهم إلى تحويله عن الثالثة إلى الرابعة إلاّ تخوفهم من العجز منه.
و زعم أبو عبد الله الأبرص العمّيّ، و كان من المعتزلين، أنّ التّيس المراطي قرع في أول يوم من أوّل هيجة نيّفا و ثمانين قرعة.
و النّاس يحكون ما يكون من العصفور في الساعة الواحدة من العدد الكثير.
و النّاس يدخلون هذا الشكل في باب الفضل، و في باب شدّة العجلة و تظاهر القوّة.
و الديك يكون له وحده الدّجاج الكثير، فيوسعها قمطا و سفادا.
و قد قلنا في حالة البيض الكثير التّرابي و قلبه إيّاه بسفاد إلى الحيوانيّة. و على أنّ الذي يخصيه إنّما يخرج له من بين الزّمكّي [٢] و موضع القطاة [٣] بيضتين عظيمتين معروفتين.
و أنا رأيت ديكا هنديّا تسنّم دجاجة هنديّة فلم يتمكّن منها، فرأيت نطفته حين مجّها-و قد زلق عن ظهرها-على مدرة [٤] ، و كانت الدار مثارة [٥] لتجعل بستانا، فإذا تلك المجّة كالبزقة البيضاء، فأخذها بعض من كان معنا فشمّها حين رأى بياضها و خثورتها و كدرتها، ليعلم هل تناسب ريحها ريح نطفة الإنسان، و ريح طلع الفحّال، فلم يجد ذلك.
ثمّ معرفة الدّيك باللّيل و ساعاته، و ارتفاق بني آدم بمعرفته و صوته: يعرف آناء الليل و عدد الليل و عدد السّاعات، و مقادير الأوقات، ثمّ يقسّط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. ثمّ قد علمنا أنّ اللّيل إذا كان خمس عشرة ساعة
[١] البخت: الإبل الخراسانية. الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. القلاص:
جمع قلوص؛ و هي الناقة الشابة.
[٢] الزمكي: أصل ذنب الطائر.
[٣] القطاة: العجز، أو ما بين الوركين.
[٤] المدرة: قطعة يابسة من الطين.
[٥] أرض مثارة: محروثة.