الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٢٦ - خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء
مقتضى داعيه، و فيما لا ابتلاء به لا داعي للمكلّف إليه ليصدّه المولى بنهيه، بل الغرض من النهي حاصل، فيكون النهي لغوا قبيحا.
و يمكن المناقشة في ذلك بمنع كون الغرض ذلك، بل الغرض من الخطابات التكليفيّة إحداث دواع مولويّة، فإنّ لم يكن للمكلّف داع إلى مطلوب المولى أحدث فيه الداعي و إن كان قلب داعيه النفساني إلى داعي الطلب، فالنهي فيما لا داعي للمكلّف إلى إتيانه إنّما هو لأجل تغيير عدم داعيه النفساني إلى داعي الطلب و ترك الفعل امتثالا لنهي المولى، و لو لا ذلك لم يكن نهي حين لم يكن للمكلّف داع شخصي نحو الفعل و إن كان الفعل داخلا في محلّ الابتلاء، و هذا باطل بالقطع.
و على هذا لم يكن محذور عقلي في الالتزام بشمول الخطابات لما خرج عن محلّ الابتلاء بعد دخوله تحت القدرة و أمكن للمكلّف العمد إلى ارتكابه و لو من مسافة بعيدة، و عليه فلم يكن فرق في وجوب الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي بين خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء و عدمه.
ثمّ لو سلّمنا الفرق فلا نسلّمه بقول مطلق، بل نفصّل بين خارج عن محلّ الابتلاء يتوقّع منه الدخول و له أمد ينتظر و بين خارج بالمرّة لا يترقّب منه الدخول، و ما لا يجب فيه الاحتياط هو خصوص الثاني؛ و سرّه أنّ في الأوّل لا مانع من التكليف الفعلي معلّقا على الدخول، فيكون الدخول في محلّ الابتلاء قيدا للمادّة و متعلّق التكليف لا قيدا لنفس التكليف، فإذا لم يكن مانع من التكليف أخذ بإطلاق دليل التكليف بمقدار عدم المنع، و رفع اليد عنه فيما فيه المنع.
فيظهر إطلاق دليل التكليف بعد هذا التقييد بكسوة تكليف تعليقي حكمه فعلي و متعلّقه استقبالي، و في مثل ذلك يجب الاحتياط كما إذا علم بوجوب متوجّه إليه فعلا لكن إمّا متعلّقا بإكرام زيد في الحال أو عمرو في يوم الجمعة، فإنّه يجب الاحتياط بإكرام زيد في الحال و إكرام عمرو يوم الجمعة، و في المقام يجب الاحتياط بإتيان الداخل في محلّ الابتلاء من الآن، و إتيان غير الداخل من حين ما يدخل؛ لأنّ التكليف على كلّ حال فعلي إمّا متعلّق بهذا من هذا الوعاء أو بذاك من وعاء متأخّر، و العقل يوجب الخروج عن عهدة التكليف توجّه فعلا بالقطع كائنا ما كان متعلّقه، و لا ينظر إلى أنّ متعلّقه أمر استقبالي.