الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٩٠ - مجرى الأصول العمليّة
المولى خصوصيّتها هو تعلّقها بفعل العبد من طريق مخصوص و مقدّمة مخصوصة، و هو طريق البعث أعني الإعلام بالإرادة بداعي حركة العبد نحو المراد و إتيانه بالمراد.
فالإرادة جنس عامّ يشمل كلّ إرادة حتّى المتعلّقة منها بفعل النفس، و قد خرجت هذه بقيد التعلّق بفعل العبد، كما خرج بقيد أن يكون ذلك من طريق البعث ما كان من سائر الطرق، و هذا متّسع الذيل يندرج فيه الإرادة المتعلّقة بالفعل الاضطراري للغير كسحب زيد و إدخاله الدار، و إلقاء عمرو من شاهق، و هكذا. كما يندرج فيه الإرادة المتعلّقة بالفعل الاختياري للغير لكن من غير طريق البعث، فمنه ما كان من طريق بذل الأجرة و غيرها من المرغّبات، و منه ما كان من طريق الإيهاب و التخويف و غيره من المكاره، و منه ما كان بطريق الحيل و اللطائف و هكذا، و كلّ هذا خارج من التكليف.
نعم، ما كان البعث فيه بالتخويف بالعقاب يشارك في إلزام العقل بالفعل دفعا للضرر المتوعّد عليه.
فإذا استحضرت هذا، علمت ألا جهل يتصوّر في التكليف؛ فإنّ حقيقته لمّا كانت منوطة بالإعلام- إذ كانت عبارة عن الإرادة من مسلك الإعلام- فإن كان إعلام الذي يلزمه أن يكون علم كان التكليف فعليّا بالقطع، و إن لم يكن كان غير فعليّ بالقطع، فلا شكّ يتصوّر بالنسبة إلى التكليف.
نعم، يتصوّر ذلك بالنسبة إلى سائر أقسام الإرادة الخارجة عن حقيقة التكليف ممّا أشرنا إليه.
نعم، يعقل أن يشكّ شخص في تكليف آخر و أنّه هل أعلم بالإرادة، و بعث نحو الفعل أولا؟ و أمّا أن يشكّ بالنسبة إلى تكليف نفسه فلا.
و لا يشكل على ما ذكرناه بأنّه مستلزم لعدم وجوب الفحص عن التكليف؛ إذ المكلّف قبل الفحص و في ظرف عدم العلم قاطع بعدم التكليف فمن أيّ شيء يتفحّص إلّا أن يكون الفحص و إدخال النفس في موضوع التكليف واجبا نفسيّا، كما ذهب إليه بعض.
و ذلك لأنّا إنّما نقول بالفحص من أجل قيام الدليل على وجوب الاحتياط قبل الفحص، و هذا بعث طريقي لأجل حفظ التكاليف الواقعيّة. و الإعلام و البعث الذي نعتبره في موضوع التكاليف الواقعيّة هو ما يعمّ مثل هذا البعث؛ فإنّه لا يقصر عن سائر أفراد البعث؛ فإنّه بعث