الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٩٨ - منها حديث الرفع
مادّة الرفع؛ فإنّ الرفع لا يطلق إلّا على رفع أمر ثقيل، و لا ثقل في غير الحكم الإلزامي، فلا يرفع الحديث الأحكام غير الإلزاميّة و لا الأحكام الوضعيّة.
و حينئذ فإذا قام الدليل على أنّ السهو في الصلاة موجب لسجود السهو، و أنّ قتل الخطأ موجب للدية، أو أنّ أكل مال الغير لدى الاضطرار موجب للضمان لم يكن ذلك كلّه منافيا لعموم الحديث؛ لأنّ معروضات أحكام هذه الموارد أمور أخر وراء هذه العناوين مفهوما و مصداقا، و إنّما هذه العناوين صارت أسبابا للحوق الحكم إلى محالّ أخر، و السببيّة ما لا يرفعها الحديث و إن قلنا بمجعوليّتها.
الرابع: أنّ الرفع و الوضع كما يسندان إلى الحكم كذلك يسندان إلى الموضوع ذي الحكم بلا عناية و تجوّز. نعم، مصحّح نسبتهما إلى الموضوع هو الرفع و الوضع لحكم ذلك الموضوع، بل مصحّح نسبتها إلى الحكم و الموضوع أمر واحد، و هو إلزام العقل بالإطاعة؛ فإنّ الثقل و المشقّة المصحّحة لصدقها هو من قبل إلزام العقل بالفعل. نعم، هذا المصحّح يكون في الموضوع بواسطتين، و في الحكم بواسطة واحدة.
و أمّا نفس النسبة ففي الكلّ على وجه الحقيقة، فقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع ما لا يعلمون» يعمّ كلّ حكم أو موضوع لا يعلم، و يكون رفعه في الحكم برفع نفسه و في الموضوع برفع حكمه الآتي من قبله الثقل على المكلّف. و نظيره في ذلك ثقل الدّين و ثقل العيال؛ فإنّه باعتبار الإلزام العرفي الثابت في موضوعهما بالوفاء للدين و القيام بنفقة العيال، كذلك ثقل كلّ موضوع لحكم شرعي أو عرفي هو باعتبار ذلك الحكم الشاقّ الثابت فيه، فأشبهت بذلك الثقيل الحسّي، و استحقّت لإطلاق هذا الاسم، و كان رفعها و وضعها برفع ما به الثقل و وضعه.
و من هنا يظهر ألا ضرورة إلى التقدير في الحديث حتّى يبحث عمّا هو المقدّر- أ هو العقاب أو غير العقاب- بل الموضوع أو الحكم بنفسه يكون مرفوعا. نعم، رفع الموضوع يكون برفع الحكم، لا أنّ الرفع أسند إلى الحكم ليكون في العبارة تقدير، و يكون ارتفاع العقاب و كذا ارتفاع وجوب الاحتياط تبع ارتفاع أصل الخطاب، لا أنّهما هما المقصودان بالرفع و كان الرفع مسندا إليهما.
إذا حفظت هذه الأمور ظفرت بتقريب الاستدلال بالحديث للمقام، و أنّ مفاد الحديث قصر عموم الأحكام بإخراج صورة الجهل بها أو بموضوعها عنه بعد أن كانت عامّة في