الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٥٦ - المقام الثالث في حجّيّة ظواهر القرآن
و من الثالثة قوله (عليه السلام)- لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء، معتذرا بأنّه لم يأته برجله-: «أما سمعت قوله عزّ و جلّ: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [١]» [٢].
و الجواب عن الطوائف الثلاث الأول: أنّها بمعزل عن المقصود من حجّيّة الظهور الذي نحن نزعمه ظهورا بلا اطّلاع على صوارفه المكتنفة، و قرائنه المتّصلة، و لا التفات إلى مزاحماته المنفصلة، بل بمعزل عن حجّيّة الظهور مطلقا؛ فإنّها في مقام الإرجاع إلى واقع ما هو مؤدّى الكتاب من غير نظر إلى أنّ تعيين ذلك بما ذا يكون، بالظهور أو بغيره؟
نعم، حيث إنّ الطريق المتعارف في تعيين المقاصد هو الظهور ينسبق إلى ذهنك ذلك مطبقا له بما يزعمه ظهورا، لكن ذلك سبق خارجي غير مستند إلى نفس اللفظ.
و لئن سلّمنا دلالة هذه الطوائف على اعتبار ما نزعمه ظاهر الكتاب، فذلك أوّل مرتبة من الدلالة لا مقاومة لها لتلك الأخبار المصرّحة بالخلاف، فلتحمل على ما قلنا جمعا.
و الجواب عن بقيّة الأخبار يظهر ممّا ذكرناه؛ فأمّا عن رواية عبد الأعلى فبأنّها لا تدلّ على معرفة كلّ أحد ما ذكره (عليه السلام). فلعلّ المراد معرفة من له أهليّة المعرفة، و أهليّة معرفة الكتاب تكون مختصّة بهم. و يشهد له أنّ المسح على المرارة لا يعرفه أحد من كتاب، إلّا أن يقال: إنّ غرضه سقوط المسح على البشرة ممّا يعرف من القرآن. و أمّا المسح على المرارة فذاك حكم تعبّدي أفاده في موضوع سقوط المسح على البشرة.
و لو سلّمنا الدلالة فأقصاه أنّ هذا و أشباهه مستفاد من ظاهر القرآن، و أمّا أنّ المستظهر يسوغ له أن يستقلّ العمل بما استظهره أو يحتاج إلى تنبيههم على أنّ في هذا المورد لا قرينة متّصلة و لا منفصلة صارفة للظهور، فلا.
نعم، يستفاد عدم هذه القرينة في نفس هذه الآية بقرينة تمسّكه، فإن استفيد مثل ذلك في سائر موارد الظهور فحبّا و كرامة.
و أمّا عن رواية التقرير: فبأنّا لم ندّع صرف كلّ ظهور من ظواهر الكتاب عن ظواهره،
[١]. الإسراء (١٧): ٣٦.
[٢]. الكافي ٦: ٤٣٢/ ١٠؛ الفقيه ١: ٤٥/ ١٧٧؛ التهذيب ١: ١١٦/ ٣٠٤؛ وسائل الشيعة ٣: ٣٣١ أبواب الأغسال المسنونة.
ب ١٨، ح ١.