الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣١٧ - المقام الثاني في الدليل على أصالة التخيير
أصالة الاحتياط. و حكم مجرى أصالة التخيير عندنا هي الإباحة الواقعيّة، يعني ما توهّموه من الدوران بين المحذورين، و حكموا في موضوعه بالتخيير الظاهري ليس من الدوران بين المحذورين، بل من المباح الواقعي.
توضيحه: أنّ البعث من المولى نحو الفعل إمّا هو لغاية الانبعاث من العبد، و هذا إنّما يعقل في مورد أمكن الانبعاث من العبد و كان أثر البعث ذلك لا فيما لا يمكن، و في المقام غير ممكن ذلك؛ فإنّ الإعلام بالتكليف المتحقّق في المقام هو الإعلام بجنس الإلزام المردّد بين التعلّق بالفعل و التعلّق بالترك، و هذا الإعلام ليس أثره الدعوة إلى الفعل، و لا أثره الدعوة إلى الترك، فلا يعقل أن يصدر ذلك من المولى لهذا الغرض.
فكلّ ما في بادئ النظر داخل في البعث الإجمالي، و من الدوران بين المحذورين، ففي دقيق النظر خارج منه، و ليس في شأن هذا المكلّف الذي لا يعلم إيجاب و لا تحريم، و إنّما الإيجاب و التحريم في شأن آخرين علموا بأحد الإلزامين على سبيل التعيين، و أمّا هذا الذي لم يعلم فإذ لا بعث إيجابي تعيينا و لا زجر كذلك لا إيجاب في حقّه و لا تحريم، و الإلزام بأحد جانبي الفعل و الترك من غير تعيين غلط لغو لا يصدر من المولى، فهذا الشخص خارج عن التكليفين واقعا داخل تحت «اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه» و تحت ما دلّ على إباحة الأشياء قبل الشرع.
و لو أغمضنا عن الحكم بالإباحة الواقعيّة فلا أقلّ من الحكم بالإباحة الظاهريّة، فيدخل المقام تحت أدلّة البراءة و تحت حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان؛ فإنّ البيان المزيل لحكم العقل بالقبح هو البيان الحجّة، و البيان الحجّة هو البيان الصالح للدعوة، و قد عرفت أنّ هذا البيان الإجمالي الحاصل في المقام غير صالح للدعوة، فكان حكم العقل بالقبح باقيا على حاله غير مزال عن مقرّه.
و أمّا أدلّة البراءة الشرعيّة فدليل «كلّ شيء حلال» شامل للمقام إن كان المراد من الحلال فيه الحلال بمعناه الأعمّ الشامل للواجب، و كان مؤدّاه إثبات جنس الحلّيّة لا خصوص الوجوب أو الإباحة.
و أمّا إن كان المراد منه الحلال بمعناه الأخصّ- أعني الإباحة- فالحديث لا يشمل المقام بما أنّ الإباحة فيه قطعيّة الانتفاء إلّا أن سائر أدلّة البراءة وافية بالمقصود؛ فإنّ كلّ واحد من