الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٤٥٦ - الأمر الثالث الترجيح بمخالفة العامّة من مرجّحات جهة الصدور
الخبر في حدّ ذاته حجّة لا تبيّن فيه.
و من ذلك يظهر بطلان ما ذهب إليه الأستاذ رحمة اللّه من كونه في عداد سائر المرجّحات بمجرّد كونه كسائرها من مرجّحات السند في الروايتين الظنّيّتين، و إن كان من مرجّحات جهة الصدور في القطعيّتين؛ زاعما أنّ شيخه المرتضى رحمة اللّه إنّما أخّر مقامه لأجل أنّه عدّه من مرجّحات جهة الصدور، و جهة الصدور متفرّع على أصل الصدور [١]. لكنّك عرفت أنّ تأخيره ليس مستندا إلى ذلك، بل إلى أنّ الترجيح بجهة الصدور و لو كان ترجيحا سنديّا متفرع على التكافؤ في الجهات الراجعة إلى أصل الصدور.
و أمّا ما يقال في وجه تقديم مرتبة هذا المرجّح على سائر المرجّحات عكس ما قلناه فأحد وجهين:
الأوّل: أنّ هذا المرجّح داخل في الجمع الدلالي المقدّم على الترجيح السندي؛ فإنّ الخبر المخالف يكون قرينة على التصرّف في جهة صدور الموافق، و أنّه صدر لا بداعي بيان الواقع.
و فيه: أنّ الجمع الدلالي لا يكون مع الأخذ بسند الخبرين، و لا يعقل هاهنا الأخذ بخبر الموافق مع حمله على التقيّة، فلا جرم يكون داخلا في الطرح، و هذا شأن الترجيح بحسب السند.
الثاني: أنّ خبر الموافق أمره دائر بين الصدور و اللاصدور، فإن لم يكن صادرا فلا حجّيّة فيه، و إن كان صادرا كان محمله التقيّة فأيضا لا حجّيّة فيه، فهو على كلّ حال ليس بحجّة، و ما ليس بحجّة لا يعارض الحجّة حتّى يلتمس باقي المرجّحات، ففي الحقيقة لا يكون هذا من المرجّحات بل من المسقطات عن الحجّيّة.
و فيه: أنّ هذا كذلك لو كان الخبر المخالف قطعيّا؛ فإنّه يتعيّن الموافق- على تقدير الصدور- للحمل على التقيّة، و على تقدير عدم الصدور فهو غير صادر. و أمّا لو كان ظنّيّا محتملا لعدم الصدور لم يكن الخبر الموافق محمولا على التقيّة؛ لعدم المعارض له حينئذ حتّى يحمل على التقيّة، فلا جرم تحصل المعارضة بينهما، و تكون المخالفة و الموافقة
[١]. كفاية الأصول: ٤٥٤ و ٤٥٥.