الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٤٦٣ - مسألة في إمكان التجزّي
المدرك كحجّيّة خبر الواحد و حجّيّة الظهور، فإذا حصلت قوّة الاجتهاد في المدرك حصلت قوّة الاجتهاد في جميع المسائل، و إذا لم تحصل لم تحصل القوّة في شيء منها، أو أنّها تنتهي إلى أسناخ متعدّدة من المدرك كما في العلوم المتعدّدة، فربما يجتهد الشخص في بعض منها و يصير ماهرا فيه و لا يد له في بعض آخر.
الحقّ أنّ في قسم النقليّات كلّ المسائل تنتهي إلى حجّيّة خبر الواحد و حجّيّة الظهور، فلو اجتهد الشخص في هذين المدركين اجتهد في كلّ المسائل النقليّة، و لو لم يجتهد فيهما لم يكن مجتهدا في شيء.
نعم، الفروع المبتنية على المدارك العقليّة كمسألة اجتماع الأمر و النهي و مسألة اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه من واد آخر، ربما يجتهد الشخص في المسائل النقليّة و لا يجتهد فيها أو بالعكس.
و أمّا صعوبة بعض المسائل و سهولة أخر فذلك لا يوجب حصول الاجتهاد في السهل قبل الصعب؛ فإنّ السهولة و الصعوبة راجعة إلى العمل من غير دخل له بالقوّة و الملكة، و لذا ترى أنّ مرضا عسر العلاج يحتاج علاجه إلى طول زمان آخر سهل العلاج، و ذلك لا يوجب عدم مهارة الطبيب الحاذق في الأوّل.
و أمّا دعوى وجوب التجزّي في الاجتهاد، و أنّ إطلاق الاجتهاد دائما مسبوق بتجزّيه و إلّا لزم الطفرة.
ففيه: أنّ الإطلاق و التجزّي إنّما هو بحسب عموم القوّة لكلّ مسألة و خصوصها، لا بحسب مراتب القوّة و الملكة كي لا يعقل الوصول إلى المراتب العاليّة إلّا بعد الوفود إلى المراتب النازلة. و من المعلوم إمكان حصول القوّة في جميع المسائل دفعة واحدة؛ لانتهاء الجميع إلى سنخ واحد من المدرك كما هو الحال في الصنائع، فربّ صنعة تشترك مع صنعة أخرى في أصولها، و لذا لازمت معرفة إحداهما معرفة الاخرى، و ربّ صنعة ليست بتلك المثابة، بل عموم العلوم و الصنائع تنتهي إلى جامع واحد و لو كان بعيدا.
و لذا يسهل تعلّم بعض لمن تعلّم بعض آخر، و كلّ ما ازداد اطّلاعا من العلوم و الصنائع ازدادت سهولة.
ثمّ إنّ حجّيّة نظر المتجزّي بالنسبة إلى نفسه ممّا لا إشكال فيه؛ فإنّه يقتضيه ما يقتضي