الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٠٦ - وظايف المكلّفين
- شرعيّة كانت الوظيفة أو عقليّة، مكلّفا كان الملتفت أو غير مكلّف- لا بدّ و أن يقطع بالوظيفة، و لا يعقل أن يبقى في الجهل؛ فإنّه إن لم يقطع بشيء من الأحكام الشرعيّة الستّة فهو منته لا محالة إلى باب العقل، و باب العقل ليس باب الحيرة و الضلالة؛ فإنّ حكومة العقل حكومة داخليّة، و الجهل إنّما يتصوّر في قوانين الحكومات الخارجيّة، و من ذلك الشارع.
فإن جعلنا الحكم الملتفت إليه ما يعمّ حكم العقل و الشرع لم يحصل للمكلّف حين الالتفات إلّا حالة واحدة و هي حالة القطع، و إن خصّصناه بحكم الشرع ثمّ عمّمنا حكم الشرع للواقعي و الظاهري حصل له حالتان: القطع و عدم القطع، و مرجعه على الأخير حكم العقل بالعمل بالظنّ إذا تمّت مقدّمات الانسداد، أو الأصول العقليّة إن لم تتمّ.
و إن خصّصناه بحكم الشرع ثمّ خصّصنا ذلك الحكم بالواقعي حصل له حالات ثلاث:
القطع، و جهل قامت في مورده أمارة، و جهل لم تقم في مورده أمارة معتبرة.
و تثليث شيخنا المرتضى رحمة اللّه للأقسام مبني على هذا [١]، كما أنّ تثنية الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) [٢] مبني على سابقه، و توحيدنا مبني على أوّل الوجوه، و الكلّ له وجه.
لكن لمّا كان المطلوب ضبط مجاري الأصول لم يكن محيص من التثليث حتّى يشار في قسم الشكّ إلى تمييز مجرى كلّ أصل عن مجرى صواحبه، و بالاختصار يفوت هذا الغرض.
فليس لأحد التعريض على تثليث الأقسام بأنّ أحكام القطع لا تختصّ بالقطع بالحكم الواقعي، فينبغي أن يعمّ القطع إلى كلّ حكم- واقعيّا كان أو ظاهريّا- فتثنّى الأقسام؛ فإنّ المقام ليس مقام الإيجاز، و إلّا كان لنا توحيد الأقسام و تعميم القطع إلى كلّ حكم شرعيّا كان أو عقليّا؛ لأنّ وجوب متابعة القطع لا يختصّ بالقطع بحكم الشارع.
ثمّ اعلم أنّ وجوب متابعة القطع ممّا لا يليق بأن يبحث عنه؛ و ذلك لأنّه أصل كلّ بحث، فلولا أنّ تحريك العقل بالعمل بالقطع أصل مسلّم لغى كلّ بحث؛ فإنّ نتيجة كلّ بحث القطع، فلولا أنّ القطع محرّك لم يكن للبحث ثمر، فإذا كان هذا أصل كلّ بحث، فما ذا يعقل أن يكون أصلا لهذا البحث؟!
و ليس الغرض في المقام أيضا البحث عن حجّيّة القطع بمعنى حكم العقل بوجوب متابعته، و إنّما ذكر في صدر البحث من باب الإشارة و التنبيه على ما هو مسلّم بديهي.
[١]. فرائد الأصول ١: ٢.
[٢]. كفاية الأصول: ٢٥٧.