الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٧٤ - و من السنة الشريفة
و كذلك يحصل القطع من تتبّع الإجماعات المنقولة، و كذا من مشاهدة عمل الفقهاء و اتّفاقهم على العمل بأخبار الآحاد في جميع الأعصار و الأمصار.
و الجواب عن ذلك: أنّ المجمعين مختلفين في ما هو الحجّة و القيود المعتبرة في ذلك غاية الاختلاف. و اتّفاق الكلّ على العمل بالخبر في الجملة- و إن اختلفوا في خصوصيّاته- لا أثر له بعد أن كان كلّ يخطّئ صاحبه، إلّا إذا ثبت الإجماع منهم على العمل بالخبر على كلّ حال بحيث لو أبطل ما اعتبره كلّ من الخصوصيّات لم يرفع اليد مع ذلك عن القول بحجّيّة الخبر. و أنّى لنا الطريق إلى ذلك؟! بل نقول: إنّ هذا أيضا ليس إجماعا فعلا، و إنّما هو إجماع تقديري، و أمّا فعلا فكلّ يفتي على عنوان غير ما يفتي به الآخر. و مجرّد أنّه لو رفع كلّ اليد عن العنوان الذي يقول به لاتّفقوا على القدر المشترك لا أثر له.
ثمّ لو سلّمنا الإجماع ففي مقابله نقل السيّد الإجماع، بل الضرورة على الخلاف، و هو يهدم صولة الإجماع الأوّل فلا يفيد القطع. بل قد عرفت أنّ كلام السيّد ليس بذلك البعيد، و أنّ عمل الإماميّة بالخبر ليس لأجل التعبّد به، بل بمناط الوثوق الذي من أيّ سبب حصل عملوا به، و كان الإجماع الذي ادّعاه الشيخ غير مناف له، و أنّه في موضوع الوثوق، و إن حسب هو المنافاة و أنّه في موضوع أعمّ.
و من العقل بناء جميع أهل الملل و الأديان على العمل بأخبار الآحاد الموثوق بنقلهم، و لم يرد عنه ردع من الشارع فيعلم تقريره له.
و الجواب: منع المقدّمتين، أمّا بناؤهم فغير جار على التعبّد بالخبر، و إنّما مدار عملهم على الاطمئنان من أينما حصل، و يستوي في ذلك الخبر و غير الخبر.
و أمّا الردع فكفى فيه الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم. و الظاهر أنّهم يرفعون اليد عمّا جرت سيرتهم على العمل به بمجرّد ورود دليل لفظي رادع و لو مثل هذه العمومات.
فللعقلاء بناءان حاكم أحدهما على الآخر- أعني بناؤهم على العمل بالظواهر حاكم على بنائهم على العمل بخبر الواحد- بعد ألا يعقل منهم البناء على طرفي النقيض.
و بهذا بطل ما قيل- في منع رادعيّة هذه العمومات- بأنّ رادعيّتها لا تكون إلّا على وجه دائر، بتقريب: أنّ حصول الردع بهذه العمومات موقوف على عدم عملهم بالخبر معها و إلّا خصّصت العمومات بالسيرة على العمل بالخبر. و عدم عملهم بالخبر موقوف على حصول