الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٩٦ - منها حديث الرفع
ذا دون عدم الوجود، فلئن حصل قطع من عدم الوجدان بعدم الوجود أو لم يحصل كان الحكم هو الإباحة. و كون مورد الآية ممّا يقطع من عدم الوجدان بعدم الوجود لا يوجب أن يكون الحكم مختصّا بما إذا قطع، بل التعبير بعدم الوجدان كاشف عن عموم الحكم.
و الجواب: أنّ التعبير عن عدم الوجود بعدم الوجدان باب من الكناية واسع، فيطلق هذا و يراد به ذاك، لكن ذلك فيما إذا لو كان لبان، فيقال: لا أراك في المشاهد و في الجمعة و الجماعات، و لا أرى لك نصيبا من العلم و حظّا من الكمال إلى غير ذلك.
هذا كلّه، مضافا إلى أنّ الآيتين من أدلّة أصالة الإباحة قبل الشرع.
و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [١].
و لا يرد عليه شيء غير ورود أخبار الاحتياط عليها، و كونها بيّنة. و أمّا ورودها في وقعة بدر فذلك لا يوجب اختصاصها بها بعد ظهور الوارد في أنّه هو الحكم العقلي العامّ.
و استدلّ من السنّة بأخبار:
منها: [حديث الرفع]
النبوي المروي بعدّة طرق: «رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الطيرة، و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة» [٢].
و تقريب الاستدلال به يتوقّف على ذكر أمور:
الأوّل: أنّ الرفع يطلق على إزالة أمر ثابت، و لو ثبوتا صوريّا و من جهة قيام الدليل عليه، و أمّا ما قام مقتضيه فقط فلا يطلق عليه الرفع. نعم، يختصّ ذلك باسم الدفع.
ثمّ الثبوت قد يكون شخصيّا كما في موارد النسخ، و قد يكون نوعيّا، و كان الثابت هو مماثل هذا لا نفسه ك «ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين» [٣] و الرفع في الحديث من هذا القبيل؛ فإنّ إطلاق الرفع على رفع التسعة باعتبار ثبوت التكليف بها في الأمم السابقة، و إلّا
[١]. الأنفال (٨): ٤٢.
[٢]. الكافي ٢: ٤٦٣/ ٢؛ الفقيه ١: ٣٦/ ٤؛ الخصال ٢: ٤١٧/ ٩؛ التوحيد: ٣٥٣/ ٢٤؛ وسائل الشيعة ١٥: ٣٦٩ أبواب جهاد النفس، ب ٥٦، ح ١.
[٣]. هذا قول زيد بن أرقم لعبيد الله بن زياد حين وضع رأس الحسين بين يديه و كان يضرب بقضيبه ثناياه (عليه السلام) بحار الأنوار ٤٥: ١١٦.