الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣١٨ - المقام الثاني في الدليل على أصالة التخيير
الوجوب و التحريم غير معلوم فيرفعه «رفع ما لا يعلمون». و العلم الإجمالي بأحد الإلزامين لا يمنع من رفع الحديث لكلّ منهما بعد أن لم يكن العلم الإجمالي المذكور مؤثّرا في إلزام العقل بالموافقة القطعيّة لامتناعه، و لا الموافقة الإجماليّة لوجوبه و حصوله.
و أمّا الموافقة الالتزاميّة فهي- لو قلنا بها- تختصّ بما أمكن فيه التكليف لترتّب أثر عملي عليه، فيلتزم حينئذ بهذا التكليف لا فيما لا يمكن- كما في المقام- مع أنّ وجوب الالتزام لا يكون مانعا من إجراء الأصول في الأطراف لو لم يكن هناك مانع آخر؛ فإنّ الحكم بالإباحة إذا اجتمع مع العلم الإجمالي بالإلزام و لم تكن معاندة بحسب مقام العمل لو لا وجوب الالتزام، لم يكن من قبل الالتزام مانع؛ فإنّ الحكمين إذا كانا بواقعهما مجتمعين التزم المكلّف بهما بما هما مجتمعان، يعني التزم بالحكم الإلزامي المجهول و بالإباحة الظاهريّة.
و بالجملة: بعد ثبوت الحكمين- واقعي مجهول و ظاهري معلوم- بلا تعاند بينهما لاختلاف المرتبة، لم يعقل أن يكون من قبل وجوب الالتزام مانع، بل الالتزام يتعلّق بذلك الواقع على ما هو عليه.
فتحصّل أنّ أدلّة البراءة كما تشمل مجراها تشمل مجرى أصالة التخيير، و حكم الكلّ هو البراءة. و لعلّ هذا هو مراد من قال: إنّ الحكم في المقام هو التخيير بين الفعل و الترك عقلا، فإنّ التخيير بين الفعل و الترك هو الإباحة، فلا وجه لعدّه قبالا لها.
نعم، هذا التخيير إذا كان بين الفعلين- كما في الواجبين المتزاحمين- خرج عن معنى الإباحة، و لعلّ القائل المذكور أراد إثبات التخيير في المقام بمناط ثبوته بين الواجبين المتزاحمين لا أنّ التخيير هو هو، و إن كان هذا أيضا باطلا لعدم اتّحاد المناط؛ فإنّ الحكم في المقام واحد مردّد بين التعلّق بالفعل أو الترك، و هناك متعدّد متعلّق بكلّ من المتزاحمين.
ثمّ لا فرق فيما ذكرناه من الحكم بالإباحة بين أن يكون الإلزام المجهول تعبّديّا أو توصّليّا أو مختلفا بأن يكون على تقدير الإيجاب تعبّديّا و على تقدير التحريم توصّليّا؛ فإنّ مناط الحكم بالإباحة هو إبطال الحكمين جميعا بعدم دعوة العلم الإجمالي الكذائي، و هذا عامّ جار في الجميع. و عليه فيحكم بإباحة ما تردّد بين أن يكون واجبا عباديّا أو حراما، لا بالتخيير بين الفعل على وجه التقرّب و بين الترك.