الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢١٣ - قيام الأمارات و الأصول مقام القطع
على جهة الكاشفيّة دون الموضوعي على وجه الصفتيّة [١].
و لكن المختار عدم المانع العقلي من عموم التنزيل و شمولاه لجميع أقسام القطع لو لا الانصراف اللفظي.
بيانه: أنّ القطع كما هو موضوع للأحكام الشرعيّة بجهتي كشفه و طريقيّته كذلك هو موضوع للأحكام العقليّة الثلاثة المتقدّمة، و من جملتها وجوب المتابعة على زعم القوم، فإذا أريد تنزيل الظنّ منزلة القطع في جهة وجوب المتابعة و أيضا في كلّ حكم شرعي هو للقطع لم يحتج إلى لحاظ القطع آليّا بل لا يلحظ إلّا استقلالا، و ينشأ أحكام مثله للظنّ الملحوظ استقلالا. و كون وجوب المتابعة في القطع عقليّا لا يمنع من جعل مماثله في الظنّ، و يكون مماثله المجعول في الظنّ حكما تعبّديّا شرعيّا.
هذا، و لكنّ أدلّة اعتبار الأمارات غير واف لتنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي، و إنّما مفادها وضعا أو انصرافا تنزيل المؤدّى منزلة المؤدّى. انظر إلى قوله: «ما يقوله عنّي، فعنّي يقول» [٢]، و إلى قوله (عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» [٣] و إلى قوله (عليه السلام): «عليك بزكريا بن آدم القمّي، المأمون على الدين و الدنيا» [٤]. إلى غير ذلك من أدلّة حجّيّة خبر الواحد، و أدلّة اعتبار سائر الأمارات.
إن قلت: هب أنّ أمثال هذه التعبيرات يختصّ بتنزيل المؤدّى دون نفس الظنّ، إلّا أنّ بالملازمة بين التنزيلين يمكن تتميم المدّعى، فأحد التنزيلين يكون مدلولا مطابقيّا للعبارة و الآخر مدلولا تبعيّا؛ فإنّ مؤدّى الظنّ إذا كان واقعا تعبّدا كان قطعنا الوجداني به قطعا بالواقع تعبّدا، فيرتّب عليه ما يرتّب على القطع بالواقع الحقيقي من الأحكام.
قلت: نعم، قطعنا به قطع بالواقع تعبّدا، على أن تكون كلمة تعبّدا تمييزا للواقع لا للقطع
[١]. فرائد الأصول ١: ٦.
[٢]. الكافي ١: ٣٢٩ باب في تسمية من راه (عليه السلام)، ح ١؛ الغيبة للطوسي: ١٤٦- ١٤٧؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٣٨ أبواب صفات القاضي، ب ١١، ح ٤ و في المصادر «ما قال لك عنّي فعنّي يقول».
[٣]. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ٥٣٦/ ١٠٢٠؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٤٩- ١٥٠ أبواب صفات القاضي، ب ١١، ح ٤٠.
[٤]. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ٥٩٤/ ١١١٢؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٤٦ أبواب صفات القاضي، ب ١١، ح ٢٧.