الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٤٥١ - التذييل الثاني حكم التعدّي عن المرجّحات المنصوصة
بمناط حصول الوثوق من أحد الخبرين بما لا يحصل من الآخر من غير مدخليّة لأوثقيّة الشخص، فلو حصل هذا الوثوق من جهة أخرى غير أوثقيّة الراوي رجّح ذيه على صاحبه.
و فيه: أنّ هذا أشبه شيء بالتمسّك بأدلّة حجّيّة خبر الواحد لإثبات حجّيّة الشهرة بدعوى أنّ المناط في حجّيّة خبر الواحد هو المظنّة، و الشهرة لا تقصر عن الخبر في إفادة الظنّ. و يتّجه عليه:
أوّلا: بعدم العلم بالمناط؛ لاحتمال خصوصيّة السبب الخاصّ في ذلك.
و ثانيا: لا يعقل أن يكون المناط أوثقيّة الرواية؛ لعدم معقوليّة الوثوق بالمتعارض حتّى يعقل أوثقيّة أحدهما، فلا بدّ أن يكون المناط هو خصوص أوثقيّة راوي أحدهما من راوي الآخر، و إن لم يحصل وثوق فعلي منهما في مادّة التعارض.
و أما الثاني و الثالث فهو تعليل الترجيح بالشهرة ب «أنّ المجمع عليه لا ريب فيه»، و تعليل الترجيح بمخالفة العامّة بأنّ الرشد في خلافهم و فيما وافقهم التقيّة، بتقريب: أنّ الريب المنفي في المجمع عليه ليس هو مطلق الريب المساوق للقطع بالواقع، بل الريب بالإضافة إلى الآخر، و التعليل يقتضي التعدّي إلى كلّ ما يوجب أبعديّة أحد الخبرين عن الريب بالنسبة إلى الآخر. و كذا تعليل الأخذ بمخالف العامّة بأنّ الرشد في خلافهم ليس بمعنى أنّ خلافهم هو مرّ الواقع [١]، بل بمعنى أنّ فيه أمارة الرشد بسبب مخالفة العامّة.
و فيه: أنّ هذا مبنيّ على أن يكون الريب المنفي بمعنى الريب عند المخاطب حتّى بقرينة وجود جنس الريب في الخبر المجمع عليه على الريب بالإضافة إلى الخبر الشاذّ، أمّا إذا كان بمعنى عدم الريب التعبّدي فيكون إنشاء للحكم بلسان نفي الريب كما في مثل: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» [٢] فلا يبقى مجال للتعدّي. و يمكن أن يكون المراد من نفي الريب نفي كون المجمع عليه قابلا للريب، و صالحا له، و ممّا ينبغي أن يرتاب فيه، مريدا بذلك إنشاء الحكم على طبقه، لا أنّه لا ريب فيه فعلا. و منه يظهر الكلام في التعليل بالرشد في خلاف العامّة.
[١]. مرّ: شدّ عليه الحبل. و هو كناية عن كلّ ممتنع يسلّط عليه، و في المقام «مرّ الواقع» بمعنى تحصيل الواقع و الشّدّ عليه.
[٢]. وسائل الشيعة ٢٧: ١٥٠ أبواب صفات القاضي، ب ١١، ح ٤١.