الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٤١ - معنى جعل الحجّيّة
و هذا دليل على أنّ الحكم قبل تعلّق القطع به و قيام الأمارة عليه بالغ مرتبة الإرادة و الكراهة، مع أنّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى يحتاج إلى دليل، و ليس.
فإنّه- بعد تسليم أنّ الأحكام في ذاتها ليست بالغة مرتبة الإرادة و الكراهة- يحتاج إثبات أنّها بتعلّق القطع أو قيام الأمارة عليها تبلغ مرتبة الفعليّة إلى دلالة دليل. و في الحقيقة ذلك الدليل هو الذي يوجب تنجّزها بعد فعليّتها بالقطع بوجوداتها الإنشائيّة، لا القطع بوجوداتها الإنشائيّة، و إنّما القطع بوجوداتها الإنشائيّة يوجب فعليّتها فقط. و معلوم عدم قيام الدليل على هذا الترتيب و إنّما هو شيء وهمي ذكره.
اللّهمّ إلّا أن يقول: إنّ الدليل عليه هو دليل اعتبار الأصول مع ضرورة وجوب امتثال التكاليف عند القطع بها؛ فإنّ جعل الأصول حال الجهل و تنجّز الأحكام بالقطع بها لا يتمّ إلّا بأن لا يكون في مرتبة الجهل فعليّة كي لا يلزم تحليل الحرام و تحصل الفعليّة بالقطع؛ إذ لا يجب متابعة القطع بأحكام إنشائيّة، لكنّ هذا الاستكشاف إنّما كان يتمّ إن لم يكن هناك طريق آخر به يتخلّص عن الإشكال. مضافا إلى ما عرفت من أنّ ما ذكر خلاف الوجدان؛ فإنّا حيثما نقطع بأحكام فعليّة- أعني الإرادة و الكراهة- و حيث تقوم عندنا الأمارة على حكم تقوم على حكم فعلي، و أيّ رواية من رواياتنا دلّت على حكم اقتضائي؟!
فدعوى غيره مصادمة للوجدان و مخالفة للعيان.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه تنحصر الحجّة في باب التكاليف في العلم، و لا شيء غير العلم بحجّة و لا قابل للحجّيّة، فلا يكون ما ليس بحجّة حجّة بالجعل بل الحجّة دائما هو العلم.
نعم، موضوع حكم العقل بالتجنّب في باب الضرر هو الأعمّ من الضرر المعلوم و المقطوع، و هذا غير حجّيّة الظنّ، و ليست الإطاعة في باب التكاليف بمناط دفع الضرر كي يجب بمناط دفع الضرر المظنون كما يجب بمناط دفع الضرر المقطوع، بل يجب إطاعة التكليف إن كان في تركه ضرر- إمّا ضرر مناط التكليف أو ضرر العقوبة- أم لم يكن. و لذا يحكم العقل بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي من غير فرق بين مظنونها و مشكوكها و موهومها.
و الحاصل: أنّ الشارع بل كلّ حاكم ملزم بأن يوصل بيانه إلى باب العقل، ثمّ هو يستريح.
و باب العقل هو حكمه بالإطاعة و بعثه نحوها، و هما مرتّبان على إعلام المولى بالتكليف إمّا