الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٤٠ - معنى جعل الحجّيّة
الثاني: أنّا لو قلنا بجعل الأحكام في أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات فأحكامها أحكام طريقيّة عن مصلحة في جعلها بخلاف الأحكام الواقعيّة؛ فإنّها عن مصلحة في متعلّقاتها. و لا مضادّة بين حكمين كذلك؛ لأنّ أحدهما طريقي ليس على طبقه إرادة بل منبعث من إرادة ذيه تحفّظا على الواقعيّات، و إنّما الإرادة على طبق الآخر الواقعي [١].
و يردّه: أنّ هذا مجرّد لقلقة لسان لا مغزى له؛ فإنّه لو لم يكن على طبقه إرادة نظير الإنشاءات الصادرة لغير داعي الطلب من التعجيز و التسخير لم يجب إطاعته، فالإرادة- و إن كان الطلب طريقيّا و لأجل درك الواقعيّات- حاصلة لا محالة.
ثمّ لمّا رأى المجيب أنّ هذا الجواب لا يتمشّى في غير الأمارات- و ليت تفطّن بعدم تمشّي جوابه الأوّل أيضا على مبناه في الأصول- فأجاب في الأصول عن المحذور- و هو ثالث الأجوبة- بما حاصله يرجع إلى التزام عدم فعليّة الأحكام الواقعيّة في موارد الأصول، بمعنى أنّه لا إرادة و لا كراهة على طبق الواقع في ظرف الجهل، فلا يلزم اجتماع حكمين ضدّين أو نقيضين أو طلب ضدّين.
و لمّا رأى أنّ هذا يؤدّي إلى الفساد، و ألا تتنجّز الأحكام الواقعيّة بالقطع بها أو قيام أمارة عليها؛ لأنّها إذا كانت في ظرف الجهل إنشائيّة محضة كان العلم من العالم متعلّقا بهذا الإنشائي الموجود في مرتبة الجهل، و قد تقدّم أنّ القطع بحكم إنشائي لا أثر له، و لا يوجب تنجّز المتعلّق، فالتزم بأنّ الواقع بمثابة لو علم أو قامت عليه أمارة لتنجّز، يعني انقدحت الإرادة بسبب العلم بها، و أيضا تنجّزت بنفس ذلك العلم.
و حاصل ذلك يرجع إلى أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه، يعني أنّ الحكم الإنشائي بالقطع به يبلغ مرتبة الفعليّة ثمّ التنجّز. فالحكم قبل العلم حيث إنّه لم يبلغ مرتبة الإرادة فلا مانع من جعل الإباحة على خلافه، و حيث إنّه يبلغ بالعلم من العالمين مرتبة الفعليّة وجب على العالمين الإطاعة فاجتمعت الكلمتان، و الحمد للّه تعالى [٢].
و أنت خبير بأنّا نحن لا نقطع- حيثما نقطع- إلّا بحكم فعلي، و لا تقوم الأمارة حيثما تقوم إلّا على حكم فعلي.
[١]. كفاية الأصول: ٢٧٧ و ٢٧٨.
[٢]. كفاية الأصول: ٢٧٨.