الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٤٩ - قاعدة نفي الضرر
ثمّ لو فرضنا عدم معرفة معنى هذا اللفظ لم يقدح ذلك في التمسّك بالجملة الأولى.
و أمّا الكلام في معنى الهيئة: فاعلم أنّ ظاهر الجملة هو النفي للضرر نفيا حقيقيّا لا ادّعائيّا بلا تقدير للمنفيّ و لا تقييد له، و لا مانع من الأخذ بهذا الظاهر بلا تصرّف فيها إمّا بحمل النفي على النهي، أو حمل النفي على كونه ادّعائيّا و من جهة انتفاء الآثار، أو تقدير المنفيّ حكما يلزم منه الضرر، أو تقييده بالضرر غير المتدارك كما قيل بكلّ منها؟
فإنّ هذه التصرّفات في الحديث ناشئة من عدم التوجّه إلى قيد الإسلام المصرّح به في بعض الأخبار، و هو منويّ في البعض الآخر. و المراد من الإسلام المنفيّ فيه الضرر الأعمال الإسلاميّة، و على تفسير الإسلام بالأعمال وردت طائفة من الأخبار. و معنى كون الضرر منفيّا فيها عدم كون الضرر من جملة الأعمال الإسلاميّة، و لازمه أنّ كلّ ما فيه ضرر فليس عملا إسلاميّا، و معناه: أنّه ليس مرخّصا فيه في شرع الإسلام، فكانت العبارة متكفّلة لنفي كلّ حكم يلزم منه الضرر، و كذلك متكفّلة لتحريم الإضرار؛ إذ لو لم يكن الإضرار حراما و كان مرخّصا فيه شرعا كان من جملة الأعمال الإسلاميّة؛ لأنّ مباحات الإسلام أيضا من جملة أعماله، و ما ليس من أعماله هو محرّماته.
نعم، منصرف العبارة غير إضرار الشخص نفسه، و قد قيّد المنفيّ في بعض الأحاديث بالضرر و الضرار على المؤمن. و دعوى شمول ذلك للإضرار على النفس لأنّه مؤمن، كدعوى شمول دليل لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ [١] إعانة النفس على الحرام. نعم، لا يبعد دعوى المناط القطعي.
ثمّ إنّ تفصيل ما تأوّلوا به العبارة- بعد أن لم يمكنهم الأخذ بظاهرها لعدم التنبّه بما ذكرنا- هو ارتكاب أحد أمور أربعة:
الأوّل: حمل النفي على النهي، و هذا الحمل يوجب اختصاص الجملة ببيان الحكم التكليفي- أعني حرمة الإضرار- و أمّا نفي ما يلزم منه الضرر من الأحكام الوضعيّة و التكليفيّة فيبقى مسكوتا عنه، مع تطابق النصّ و الفتوى على التمسّك بالحديث لنفي الأحكام الضرريّة، فيقع التزاحم بين دليل نفي الضرر و بين دليل الواجب في الفرد الضرري
[١]. المائدة (٥): ٢.