حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٥ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
المطالعة فى النّقطة لنفس النّبيّ كما تتيسّر لغيره فى المنام، و ينزل الرّسم الّذي يأخذه النّفس فى المنام أو اليقظة من نفوس الأفلاك إلى قوة عندهم فى الدّماغ سريعة التّنقّل عن صورة تحصل فيها إلى صورة أخرى بينهما مناسبة ما من المماثلة أو الضّديّة أو غيرهما [٨] يسمّونها «المتخيّلة». لكن قد يكون هذا الرّسم قويا و النّفس عند تلقّيه بعينه تحفظها فلا يمكن هذه القوّة تغييره فتتنفّس به على ما هو عليه قوّة أخرى دماغيّة هى عندهم خزانة الصّور المدركة بالحواسّ الظّاهرة و يسمّونها «الخيال» فتدركه القوّة الّتي هى عندهم مدركة المحسوسات و مؤدّيتها إلى الخيال، و يسمّونها «الحسّ المشترك» فيصير ذلك الرّسم مشاهدا منظرا أو هتّافا. و ربّما يمكن مثالا موفور الهيئة أو كاملا محصّل النّظم، فإن كان ذلك فى اليقظة كان إلهاما و وحيا صراحا لا يفتقر إلى تأويل، و إن كان فى المنام كان رؤيا صادقة غير محتاجة إلى تفسير. و هذا كما يشاهد قوم من المرضى و الموسوسين صورا حاضرة محسوسة لا نسبة لها إلى محسوس خارج فيكون انتقاشها إذن من سبب باطن.
هذا ما قاله ابن سينا فى النّبيّ و الوحى و الملك و فى أخبار النّبيّ عن المغيّبات فى فصل ذكر أنّه فى إثبات النّبوّة، و فى النّهج الّذي ذكر أنّه فى أسرار الآيات أى المعجزات فى كتاب الإشارات، و سمّى فيه النّبيّ «عارفا»، و ذكر من المعجزات ما وجد له وجها فى مذاهب الطّبيعة، و بيّن وجهه.
فمن ذلك الإمساك عن القوت مدّة غير معتادة، فقال [٩] فيه: أنّ القوّة المتصرّفة فى الغذاء إذا شغلت فى مرض عن هضم الموادّ المحمودة بإنضاج الموادّ الرّديّة انحفظت الموادّ المحمودة قليلة التحلّل غنيّة عن البدل فربّما انقطع عن صاحبه الغذاء مدّة لو انقطع فى غير تلك الحال فى عشر تلك المدّة مثلا هلك، و هو مع ذلك حىّ فكذلك من راضت قواه البدنيّة حتّى صارت مطيعة للنّفس القويّة منجذبة خلفها، أو انزعجت إلى مهمّاتها، فإذا اشتدّ اشتغال نفسه عن تدبير البدن بالجانب الأعلى وقفت قواه المتصرّفة فى الغذاء عن أفعالها فلم يقع من التّحلّل إلّا دون ما يقع فى المرض، و كيف و لا و المرض مسقط للقوّة و لا يخلو عن حركات محلّلة و الحارّ منه محلّل و لا شيء منها هاهنا.
و من ذلك إطاقة العارف تحريكا أو حركة أو فعلا يخرج عن وسع مثله فقال: قد يعرض