حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٣٥ - الفصل الثالث فى الجواب مما اعترض به على المقدمتين الباقيتين
استحال وجوده.
و انا اقول: المحال وجود جملة اجزاء ما لا يتناهى و انحصارها و تناهيها بها لا ترتبها و اجتماعها فى الوجود فانه الاثر [٦٤] لترتّبها و اجتماعها فى الوجود إلا من جهة قبولها للاطباق بسببها و قد ذكرنا بطلان ذلك و لو أمكن وجود دورة قبلها و قبل تلك الدّورة دورة إلى غير نهاية لوجب أن يكون وجود علّة قبلها علّة و قبل تلك العلّة علّة إلى غير نهاية و وجود جسم و وراءها جسم و وراء ذلك الجسم جسم إلى غير نهاية ممكنين لانّ اجتماعها فى الوجود و ترتّبها فيه لا اثر لهما فى امتناع الوجود لما ذكرنا إنّما المؤثر فى الامتناع دخول آحاد لا تتناهى فى الوجود و أمّا الأمور المستقبلة فلما كان لا يدخل جملة اجزائها فى الوجود جاز وجودها إلى غير نهاية.
فالفلاسفة لم ينظروا فى دخول جملة الاجزاء فى الوجود الّذي هو المؤثر فى الامتناع و نظروا إلى اجتماع الأجزاء و ترتّبها فى الوجود اللّذين لا اثر لهما فى الامتناع فثبت انّ قولنا:
«ما لا نهاية له يستحيل ان يوجد» صادق على الإطلاق و لا يرد على هذا ما يقال انّ صفات اللّه تعالى لا تتناهى و ان وجوده غير متناه و ذلك لأن غير المتناهى هو الّذي اىّ جزء اخذت منه وجدت أجزاء آخر غيره. و لا يصح ان يقال ذلك فى صفات اللّه تعالى و وجوده و أمّا معلوماته و مقدوراته فقسمان موجودات و معدومات و الموجودات منها متناهية و المعدومات يقال انّها غير متناهية لا على المعنى الّذي ذكرته [٦٥] لغير المتناهى بل على معنى انّ كلّ ما يصلح ان يعلم من المعدومات يكون معلوما له و كلّ ما يمكن وجوده منها يكون مقدورا له و لا ينتهى الوهم إلى شيء يصلح لان يكون معلوما للّه تعالى و لا إلى شيء ممكن الوجود لا يكون مقدورا له. و امّا وجوده تعالى فليس امرا وجوديّا فانّه ليس امر وراء ذاته تعالى بل وجود كلّ موجود امر ذهنىّ على ما ابيّنه من بعد و كلامنا فيما لا يتناهى من الامور الوجوديّة. و امّا قوله: «هذه المقدّمة و إن كانت صادقة فانّه لا يلتئم منها و من المقدّمة الأولى قياس» و اجيب عنه الجواب بعد عن اعتراضه على المقدّمتين الآخرين.
الفصل الثالث فى الجواب مما اعترض به على المقدمتين الباقيتين.