حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٨ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
و قد رأيت يوما رجلا من المقدمين يشنّع على مشهور من المذكّرين و يقول عن حرّ شديد أنّه لعن الشّيخ الرّئيس أبا عليّ فقلت ما أحسن ما فعل و بيّنت له وجه ذلك فسكن غضبه و سكت كيف و الشّيخ الإمام حجة الإسلام محمّد الغزّالى رحمه اللّه و قال فى صدر كتابه المسمّى تهافت الفلاسفة بعد ذمّه و لومه طائفة من المسلمين استحقروا وظائف الشّريعة تقليدا للفلاسفة: إنّى ابتديت لتحرير هذا الكتاب ردّا على الفلاسفة القدماء مثبتا تهافت [١٤] عقيدتهم و تناقض كلمتهم فيما يتعلّق بالإلهيّات. و ساق الكلام إلى أن قال: هذا مع حكاية مذهبهم على وجهه لتبيين هؤلاء الملحدة تقليدا اتّفاق كلّ مرموق من الأوائل و الاواخر على الإيمان باللّه و اليوم الآخر، و أن الاختلافات راجعة إلى تفاصيل خارجة عن هذين القطبين اللّذين بعث لاجلهما الأنبياء المؤيّدون بالمعجزات، و أنّه لم يذهب إلى إنكارهما إلّا شر ذمة يسيره من ذوى العقول المنكوسة و الآراء المعكوسة الّذين لا يؤيّد لهم و لا يعبأ بهم فيما بين النّظّار، و لا يعدّون إلّا فى زمرة الشّياطين و الأشرار و غمار الأغبياء الأغمار ليكف عن غلواه من يظنّ أن التّحمل بالكفر تقليدا يدلّ على حسن رأيه و يشعر بفطنته و ذكاه. إذ يتحقق أنّ هؤلاء الّذين يتشبّه بهم من زعماء الفلاسفة: و رؤسائهم برءاء ممّا قذفوا به من جحد الشّرائع و أنّهم مؤمنون باللّه و مصدّقون برسوله و أنهم اختبطوا فى تفاصيل بعد هذه الأصول قد زلّوا فيها فضلّوا و أضلّوا.
أقول لست اعرف المرموقين الزّعماء و الرؤساء من قدمائهم إلّا أفلاطون و سقراط و أرسطاطاليس و أقرانهم و من محدّثيهم إلّا أبا نصر الفارابى و ابن سينا و كلّ من له ذكر من غير هؤلاء [١٥] فهو إمّا مفسّر لكلام أرسطاطاليس و إمّا مقرّر له و حكاية عقايدهم على وجهها فى اللّه تعالى و صفاته و فى النّشر و الحشر و فى النّبوات و المعجزات هى ما ذكرت. و حجة الإسلام حكى أيضا عقايدهم فى هذا الكتاب على وفق ما حكيت سوى ما حكيت عنهم فى النّبوات و المعجزات، فإنّه لم يتعرّض لها و بيّن فساد ما حكى من عقايدهم على سبيل الاعتراض و المعارضة.
فلست أدرى لم شهد لهم بالإيمان باللّه و اليوم الآخر و تصديق الرّسل و الانقياد للشّرائع و أنّه كيف يكون كلامهم المذكور فى العلّة الأولى و كيفيّة وجود العالم فى الأوّل