حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٧٩ - الفصل الرّابع فى ابطال شبههم المبنيّة على قدم الزّمان لإثبات قدم العالم
انحلّ الإشكال الّذي هو ان وجود العالم إذا تأخّر عن وجود البارى تعالى بزمان غير متناه كان قبله زمان غير متناه فيكون الزّمان قديما فانّه يلزم منه ان يكون الزّمان المعدوم قديما.
و قد أجاب الإمام حجّة الاسلام- رحمه اللّه- عن هذا السّؤال بأنّ معنى تقدّم البارى على العالم هو انّه كان و لا عالم ثمّ كان و معه العالم و معنى قولى: «كان و لا عالم» وجود ذاته و عدم العالم فقط و معنى قولى: «كان و معه العالم» وجود الذّاتين فقط فمعنى تقدّمه انفراده بالوجود فكلّما لا يلزم من قولنا: «او لا عيسى» ثمّ «كان و معه عيسى» الا وجود ذات و عدم ذات ثمّ وجود ذاتين و لا يلزم وجود ثالث، فكذلك ما نحن فيه و إن كان لا يسكن الوهم عن تقدير شيء ثالث لكن لا يلتفت إلى أغاليط الأوهام.
أقول: فى هذا الكلام تعقيدات و تكلّفات و لمنازعات الخصوم فيه مجال رحب فإن العقل يقضى بأنّ وجود الذّاتين يكون متأخّرا عن وجود ذات و عدم ذات و ان ذلك التّأخّر يكون بزمان إلى تمام السّؤال المذكور.
و أجاب عنه صاحب كتاب [١٤٨] نهاية الأقدام بأنّ إطلاق التقدّم و التأخّر و المعيّة الزمانيّة ممتنع فى حقّ البارى تعالى لأنّ ما لا يقبل الزّمان ذاتا و وجودا لا يقال انّه تقدّم أو تأخّر أو قارن الزّمان، كما انّ ما لا يقبل المكان لا يقال انّه فوق العالم و تحته أو فيه. و هذا الجواب لا يستقيم على قول أبى البركات فانّه لا يسلم براءة وجود البارى تعالى عن الزّمان. و الجواب الفحل الّذي يطمئنّ معه القلب و يسكّن الوهم و يزيل الشّكّ بالكلّية ما ابتدعته بهداية اللّه تعالى إلّا انّه يبقى معه تشنيع أبى البركات بكون الخالق الجواد معطّلا عن الخلق و الجود مدّة غير متناهية.
و الجواب عنه هو انّ الخالق يخلق ما يمكن خلقه فالجواد يجود بما يمكن الجود به و خلق العالم و وجوده فى الأزل محال لما ذكرنا من الأدلّة و اللّه تعالى لا يوصف بخلق المحال و الجود بمحال الوجود فكون وجود العالم حادثا ضرورىّ فتأخّر وجوده عن وجود البارى تعالى ضرورىّ، و يكون ذلك التأخّر بزمان و ذلك الزّمان غير متناه بالضّرورة لأنّه إذا كان لوجود العالم أوّل و لم يكن لوجود البارى تعالى أول كان بينهما مدّة غير متناهية بالضّرورة فيكون خلق العالم [١٤٩] فى مدّة غير متناهية محالا فلا يكون تنزيه البارى تعالى عن الوصف